البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٤ - ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و ستمائة
فنظر إليه الشيخ فقال له: ما ذا تعانى من الأسباب؟ فقال رقاص عند الوالي، فقال له إن دابتنا لا تأكل الحرام، و دخل منزله فأعطاه دراهم و معها دراهم كثيرة قد اختلطت بها فلا تميز، فاشترى الناس من الرقاص كل درهم بثلاثة لأجل البركة، و أخذ دابته، و لما توفى ترك من الأساس ما يساوى خمسين درهما فبيع بمبلغ عشرين ألفا.
قال أبو شامة: و في الرابع و العشرين من ربيع الآخر توفى محيي الدين عبد اللَّه بن صفى الدين
إبراهيم بن مرزوق بداره بدمشق المجاورة للمدرسة النورية (رحمه اللَّه تعالى). قلت داره هذه هي التي جعلت مدرسة للشافعية وقفها الأمير جمال الدين آقوش النجيبى التي يقال لها النجيبية تقبل اللَّه منه. و بها إقامتنا جعلها اللَّه دارا تعقبها دار القرار في الفوز العظيم. و قد كان أبو جمال الدين النجيبى و هو صفى الدين وزير الملك الأشرف، و ملك من الذهب ستمائة ألف دينار خارجا عن الأملاك و الأثاث و البضائع، و كانت وفاة أبيه بمصر سنة تسع و خمسين، و دفن بتربته عند المقطم. قال أبو شامة: و جاء الخبر من مصر بوفاة الفخر عثمان المصري المعروف بعين غين.
و في ثامن عشر ذي الحجة توفى الشمس الوبّار الموصلي، و كان قد حصل شيئا من علم الأدب، و خطب بجامع المزة مدة. فأنشدنى لنفسه في الشيب و خضابه قوله:
و كنت و إياها مذ اختط عارضى* * * كروحين في جسم و ما نقضت عهدا
فلما أتانى الشيب يقطع بيننا* * * توهمته سيفا فألبسته غمدا
و فيها استحضر الملك هولاكو خان الزين الحافظى و هو سليمان بن عامر العقربانى المعروف بالزين الحافظى، و قال له قد ثبت عندي خيانتك، و قد كان هذا المغتر لما قدم التتار مع هولاكو دمشق و غيرها مالأ على المسلمين و آذاهم و دل على عوراتهم، حتى سلطهم اللَّه عليه بأنواع العقوبات و المثلات وَ كَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً و من أعان ظالما سلط عليه، فان اللَّه ينتقم من الظالم بالظالم ثم ينتقم من الظالمين جميعا، نسأل اللَّه العافية من انتقامه و غضبه و عقابه و شر عباده.
ثم دخلت سنة ثلاث و ستين و ستمائة
فيها جهز السلطان الظاهر عسكرا جما كثيفا إلى ناحية الفرات لطرد التتار النازلين بالبيرة، فلما سمعوا بالعساكر قد أقبلت ولوا مدبرين، فطابت تلك الناحية و أمنت تلك المعاملة، و قد كانت قبل ذلك لا تسكن من كثرة الفساد و الخوف، فعمرت و أمنت.
و فيها خرج الملك الظاهر في عساكره فقصد بلاد الساحل لقتال الفرنج ففتح قيسارية في ثلاث ساعات من يوم الخميس ثامن جمادى الأولى يوم نزوله عليها، و تسلم قلعتها في يوم الخميس الآخر خامس عشره فهدمها و انتقل إلى غيرها، ثم جاء الخبر بأنه فتح مدينة أرسوف و قتل من بها من