البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - ذكر أخذ الظاهر الكرك و إعدام صاحبها
و في السادس و العشرين من ربيع الأول عمل عزاء السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن العزيز محمد بن الظاهر غازى بن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادى فاتح بيت المقدس و كان عمل هذا العزاء بقلعة الجبل بمصر، بأمر السلطان الظاهر ركن الدين بيبرس، و ذلك لما بلغهم أن هولاكو ملك التتار قتله، و قد كان في قبضته منذ مدة، فلما بلغ هولاكو أن أصحابه قد كسروا بعين جالوت طلبه إلى بين يديه و قال له: أنت أرسلت إلى الجيوش بمصر حتى جاءوا فاقتتلوا مع المغول فكسروهم ثم أمر بقتله، و يقال إنه اعتذر إليه و ذكر له أن المصريين كانوا أعداءه و بينه و بينهم شنئان، فأقاله و لكنه انحطت رتبته عنده، و قد كان مكرما في خدمته، و قد وعده أنه إذا ملك مصر استنابه في الشام فلما كانت وقعة حمص في هذه السنة و قتل فيها أصحاب هولاكو مع مقدمهم بيدرة غضب و قال له أصحابك في العزيزية أمراء أبيك، و الناصرية من أصحابك قتلوا أصحابنا، ثم أمر بقتله. و ذكروا في كيفية قتله أنه رماه بالنشاب و هو واقف بين يديه يسأله العفو فلم يعف عنه حتى قتله و قتل أخاه شقيقه الظاهر عليا، و أطلق ولديهما العزيز محمد بن الناصر و زبالة بن الظاهر، و كانا صغيرين من أحسن أشكال بنى آدم. فأما العزيز فإنه مات هناك في أسر التتار، و أما زبالة فإنه سار إلى مصر و كان أحسن من بها، و كانت أمه أم ولد يقال لها وجه القمر، فتزوجها بعض الأمراء بعد أستاذها، و يقال إن هولاكو لما أراد قتل الناصر أمر بأربع من الشجر متباعدات بعضها عن بعض، فجمعت رءوسها بحبال ثم ربط الناصر في الأربعة بأربعته ثم أطلقت الحبال فرجعت كل واحدة إلى مركزها بعضو من أعضائه (رحمه اللَّه). و قد قيل إن ذلك كان في الخامس و العشرين من شوال في سنة ثمان و خمسين، و كان مولده في سنة سبع و عشرين بحلب. و لما توفى أبوه سنة أربع و ثلاثين بويع بالسلطنة بحلب و عمره سبع سنين، و قام بتدبير مملكته جماعة من مماليك أبيه، و كان الأمر كله عن رأى جدته أم خاتون بنت العادل أبى بكر بن أيوب، فلما توفيت في سنة أربعين و ستمائة استقل الناصر بالملك، و كان جيد السيرة في الرعية محببا إليهم، كثير النفقات، و لا سيما لما ملك دمشق مع حلب و أعمالها و بعلبكّ و حران و طائفة كبيرة من بلاد الجزيرة، فيقال إن سماطه كان كل يوم يشتمل أربعمائة رأس غنم سوى الدجاج و الإوز و أنواع الطير، مطبوخا بأنواع الأطعمة و القلويات غير المشوي و المقلى، و كان مجموع ما يغرم على السماط في كل يوم عشرين ألفا و عامته يخرج من يديه كما هو كأنه لم يؤكل منه شيء، فيباع على باب القلعة بأرخص الأثمان حتى إن كثيرا من أرباب البيوت كانوا لا يطبخون في بيوتهم شيئا من الطرف و الأطعمة بل يشترون برخص ما لا يقدرون على مثله إلا بكلفة و نفقة كثيرة، فيشترى أحدهم بنصف درهم أو بدرهم ما لا يقدر عليه إلا بخسارة كثيرة، و لعله لا يقدر على مثله، و كانت الأرزاق كثيرة دارة في زمانه و أيامه، و قد كان خليعا ظريفا حسن