البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣٩ - ذكر أخذ الظاهر الكرك و إعدام صاحبها
بمصر فرحة و تعظيما لشأنها، ثم ساروا بها إلى المدينة النبويّة، و في شوال سار الظاهر إلى الاسكندرية فنظر في أحوالها و أمورها، و عزل قاضيها و خطيبها ناصر الدين أحمد بن المنير و ولى غيره.
و فيها التقى بركه خان و هولاكو و مع كل واحد جيوش كثيرة فاقتتلوا فهزم اللَّه هولاكو هزيمة فظيعة و قتل أكثر أصحابه و غرق أكثر من بقي و هرب هو في شرذمة يسيرة و للَّه الحمد. و لما نظر بركه خان كثرة القتلى قال يعز على أن يقتل المغول بعضهم بعضا و لكن كيف الحيلة فيمن غير سنة جنكيزخان ثم أغار بركه خان على بلاد القسطنطينية فصانعه صاحبها و أرسل الظاهر هدايا عظيمة إلى بركه خان، و قد أقام التركي بحلب خليفة آخر لقبه بالحاكم، فلما اجتاز به المستنصر سار معه إلى العراق و اتفقا على المصلحة و إنفاذ الحاكم المستنصر لكونه أكبر منه و للَّه الحمد، و لكن خرج عليهما طائفة من التتار ففرقوا شملهما و قتلوا خلقا ممن كان معهما، و عدم المستنصر و هرب الحاكم مع الأعراب. و قد كان المستنصر هذا فتح بلدانا كثيرة في مسيره من الشام إلى العراق، و لما قاتله بهادر على شحنة بغداد كسره المستنصر و قتل أكثر أصحابه، و لكن خرج كمين من التتار نجدة فهرب العربان و الأكراد الذين كانوا مع المستنصر و ثبت هو في طائفة ممن كان معه من الترك فقتل أكثرهم و فقد هو من بينهم، و نجا الحاكم في طائفة، و كانت الوقعة في أول المحرم من سنة ستين و ستمائة، و هذا هو الّذي أشبه الحسين بن على في توغله في أرض العراق مع كثرة جنودها، و كان الأولى له أن يستقر في بلاد الشام حتى تتمهد له الأمور و يصفو الحال، و لكن قدر اللَّه و ما شاء فعل. و جهز السلطان جيشا آخر من دمشق إلى بلاد الفرنج فأغاروا و قتلوا و سبوا و رجعوا سالمين، و طلبت الفرنج منه المصالحة فصالحهم مدة لاشتغاله بحلب و أعمالها، و كان قد عزل في شوال قاضى مصر تاج الدين ابن بنت الأعز و ولى عليها برهان الدين الخضر بن الحسين السنجاري، و عزل قاضى دمشق نجم الدين أبا بكر بن صدر الدين أحمد ابن شمس الدين بن هبة اللَّه بن سنى الدولة، و ولى عليها شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن خلكان، و قد ناب في الحكم بالقاهرة مدة طويلة عن بدر الدين السنجاري، و أضاف إليه مع القضاء نظر الأوقاف، و الجامع و المارستان، و تدريس سبع مدارس، العادلية و الناصرية و الغدراوية و الفلكية و الركنية و الاقبالية و البهنسية، و قرئ تقليده يوم عرفة يوم الجمعة بعد الصلاة بالشباك الكمالي من جامع دمشق، و سافر القاضي المعزول مرسما عليه. و قد تكلم فيه الشيخ أبو شامة و ذكر أنه خان في وديعة ذهب جعلها فلوسا فاللَّه أعلم، و كانت مدة ولايته سنة و أشهرا. و في يوم العيد يوم السبت سافر السلطان إلى مصر، و قد كان رسول الإسماعيلية قدم على السلطان بدمشق يتهددونه و يتوعدونه، و يطلبون منه إقطاعات كثيرة، فلم يزل السلطان يوقع بينهم حتى استأصل شأفتهم و استولى على بلادهم.