البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١ - ثم دخلت سنة ست و تسعين و خمسمائة
فغضب الأمير و أمر بنفيه من البلد، فاستنظره ثلاثة أيام فأنظره، و أرسل برغش الأسارى من القلعة فكسروا منبر الحنابلة و تعطلت يومئذ صلاة الظهر في محراب الحنابلة، و أخرجت الخزائن و الصناديق التي كانت هناك، و جرت خبطة شديدة، نعوذ باللَّه من الفتن ما ظهر منها و ما بطن، و كان عقد المجلس يوم الاثنين الرابع و العشرين من ذي الحجة، فارتحل الحافظ عبد الغنى إلى بعلبكّ ثم سار إلى مصر فآواه المحدثون، فحنوا عليه و أكرموه.
و ممن توفى فيها من الأعيان
الأمير مجاهد الدين قايماز الرومي
نائب الموصل المستولى على مملكتها أيام ابن استاذه نور الدين أرسلان، و كان عاقلا ذكيا فقيها حنفيا، و قيل شافعيا، يحفظ شيئا كثيرا من التواريخ و الحكايات، و قد ابتنى عدة جوامع و مدارس و ربط و خانات، و له صدقات كثيرة دارة، قال ابن الأثير: و قد كان من محاسن الدنيا.
أبو الحسن محمد بن جعفر
ابن أحمد بن محمد بن عبد العزيز العباس الهاشمي، قاضى القضاة ببغداد، بعد ابن النجاري، كان شافعيا تفقه على أبى الحسن بن الخل و غيره، و قد ولى القضاء و الخطابة بمكة، و أصله منها، و لكن ارتحل إلى بغداد فنال منها ما نال من الدنيا، و آل به الأمر إلى ما آل، ثم إنه عزل عن القضاء بسبب محضر رقم خطه عليه، و كان فيما قيل مزورا عليه. فاللَّه أعلم، فجلس في منزله حتى مات.
الشيخ جمال الدين أبو القاسم
يحيى بن على بن الفضل بن بركة بن فضلان، شيخ الشافعية ببغداد، تفقه أولا على سعيد بن محمد الزار مدرس النظامية، ثم ارتحل إلى خراسان فأخذ عن الشيخ محمد الزبيدي تلميذ الغزالي و عاد إلى بغداد و قد اقتبس علم المناظرة و الأصلين، و ساد أهل بغداد و انتفع به الطلبة و الفقهاء، و بنيت له مدرسة فدرس بها و بعد صيته، و كثرت تلاميذه، و كان كثير التلاوة و سماع الحديث، و كان شيخا حسنا لطيفا ظريفا، و من شعره:
و إذا أردت منازل الأشراف* * * فعليك بالاسعاف و الإنصاف
و إذا بغا باغ عليك فخله* * * و الدهر فهو له مكاف كاف
ثم دخلت سنة ست و تسعين و خمسمائة
استهلت هذه السنة و الملك الأفضل بالجيش المصري محاصر دمشق لعمه العادل، و قد قطع عنها الأنهار و الميرة، فلا خبز و لا ماء إلا قليلا، و قد تطاول الحال، و قد خندقوا من أرض اللوان إلى اللد خندقا لئلا يصل إليهم جيش دمشق، و جاء فصل الشتاء و كثرت الأمطار و الأوحال، فلما دخل شهر صفر قدم الملك الكامل محمد بن العادل على أبيه بخلق من التركمان، و عساكر من بلاد