البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة
أخواته الثلاث فاطمة و خديجة و مريم، و أسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل و اللَّه أعلم، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و قتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبى الفرج ابن الجوزي، و كان عدو الوزير، و قتل أولاده الثلاثة: عبد اللَّه، و عبد الرحمن، و عبد الكريم، و أكابر الدولة واحدا بعد واحده، منهم الديودار الصغير مجاهد الدين أيبك، و شهاب الدين سليمان شاه، و جماعة من أمراء السنة و أكابر البلد. و كان الرجل يستدعى به من دار الخلافة من بنى العباس فيخرج بأولاده و نسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة، و يؤسر من يختارون من بناته و جواريه. و قتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين على بن النيار، و قتل الخطباء و الأئمة، و حملة القرآن، و تعطلت المساجد و الجماعات و الجمعات مدة شهور ببغداد، و أراد الوزير ابن العلقميّ قبحه اللَّه و لعنه أن يعطل المساجد و المدارس و الربط ببغداد و يستمر بالمشاهد و محال الرفض، و أن يبنى للرافضة مدرسة هائلة ينشرون علمهم و علمهم بها و عليها، فلم يقدره اللَّه تعالى على ذلك، بل أزال نعمته عنه و قصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، و أتبعه بولده فاجتمعا و اللَّه أعلم بالدرك الأسفل من النار.
و لما انقضى الأمر المقدر و انقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، و القتلى في الطرقات كأنها التلول، و قد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم و أنتنت من جيفهم البلد، و تغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى و سرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو و فساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء و الوباء و الفناء و الطعن و الطاعون، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و لما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير و القني و المقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، و قد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده و لا الأخ أخاه، و أخذهم الوباء الشديد فتفانوا و تلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، و اجتمعوا تحت الثرى بأمر الّذي يعلم السر و أخفى، اللَّه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى. و كان رحيل السلطان المسلط هولاكوخان عن بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه، و فوض أمر بغداد إلى الأمير على بهادر، فوض إليه الشحنكية بها و إلى الوزير ابن العلقميّ فلم يمهله اللَّه و لا أهمله، بل أخذه أخذ عزيز مقتدر، في مستهل جمادى الآخرة عن ثلاث و ستين سنة، و كان عنده فضيلة في الإنشاء و لديه فضيلة في الأدب، و لكنه كان شيعيا جلدا رافضيا خبيثا، فمات جهدا و غما و حزنا و ندما، إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، فولى بعده الوزارة ولده عز الدين بن الفضل محمد، فألحقه اللَّه بأبيه في بقية هذا العام، و للَّه الحمد و المنة.