البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة
و كان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات و يغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر و إما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالى الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجرى الميازيب من الدماء في الأزقة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و كذلك في المساجد و الجوامع و الربط، و لم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود و النصارى و من التجأ إليهم و إلى دار الوزير ابن العلقميّ الرافضيّ و طائفة من التجار أخذوا لهم أمانا، بذلوا عليه أموالا جزيلة حتى سلموا و سلمت أموالهم.
و عادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، و هم في خوف و جوع و ذلة و قلة، و كان الوزير ابن العلقميّ قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش و إسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف، ثم كاتب التتار و أطمعهم في أخذ البلاد، و سهل عليهم ذلك، و حكى لهم حقيقة الحال، و كشف لهم ضعف الرجال، و ذلك كله طمعا منه أن يزيل السنة بالكلية، و أن يظهر البدعة الرافضة و أن يقيم خليفة من الفاطميين، و أن يبيد العلماء و المفتين، و اللَّه غالب على أمره، و قد رد كيده في نحره، و أذله بعد العزة القعساء، و جعله حوشكاشا للتتار بعد ما كان وزيرا للخلفاء، و اكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال و النساء و الأطفال، فالحكم للَّه العلى الكبير رب الأرض و السماء.
و قد جرى على بنى إسرائيل ببيت المقدس قريب مما جرى على أهل بغداد كما قص اللَّه تعالى علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول وَ قَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً. فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَ كانَ وَعْداً مَفْعُولًا الآيات. و قد قتل من بنى إسرائيل خلق من الصلحاء و أسر جماعة من أولاد الأنبياء، و خرب بيت المقدس بعد ما كان معمورا بالعباد و الزهاد و الأحبار و الأنبياء، فصار خاويا على عروشه واهي البناء.
و قد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة. فقيل ثمانمائة ألف، و قيل ألف ألف و ثمانمائة ألف، و قيل بلغت القتلى ألفى ألف نفس، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العلى العظيم. و كان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، و ما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوما، و كان قتل الخليفة المستعصم باللَّه أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر و عفى قبره، و كان عمره يومئذ ستا و أربعين سنة و أربعة أشهر، و مدة خلافته خمس عشرة سنة و ثمانية أشهر و أيام، و قتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، و له خمس و عشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن و له ثلاث و عشرون سنة، و أسر ولده الأصغر مبارك و أسرت