البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة
حظيا عند الوزير ابن العلقميّ، لما بينهما من المناسبة و المقاربة و المشابهة في التشيع و الأدب و الفضيلة، و قد أورد له ابن الساعي أشياء كثيرة من مدائحه و أشعاره الفائقة الرائقة، و كان أكثر فضيلة و أدبا من أخيه أبى المعالي موفق الدين بن هبة اللَّه، و إن كان الآخر فاضلا بارعا أيضا، و قد ماتا في هذه السنة (رحمهما اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة ست و خمسين و ستمائة
[فيها أخذت التتار بغداد و قتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، و انقضت دولة بنى العباس منها] [١] استهلت هذه السنة و جنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكوخان، و جاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة و ميرته و هداياه و تحفه، و كل ذلك خوفا على نفسه من التتار، و مصانعة لهم قبحهم اللَّه تعالى، و قد سترت بغداد و نصبت فيها المجانيق و العرادات و غيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر اللَّه سبحانه و تعالى شيئا، كما ورد في الأثر «لن يغنى حذر عن قدر» و كما قال تعالى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ و قال تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ و أحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة و تضحكه، و كانت من جملة حظاياه، و كانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها و هي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك و فزع فزعا شديدا، و أحضر السهم الّذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب إذا أراد اللَّه إنفاذ قضائه و قدره أذهب من ذوى العقول عقولهم، فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، و كثرت الستائر على دار الخلافة- و كان قدوم هلاكوخان بجنوده كلها، و كانوا نحو مائتي ألف مقاتل- إلى بغداد في ثانى عشر المحرم من هذه السنة، و هو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الأمر الّذي قدره اللَّه و قضاه و أنفذه و أمضاه، و هو أن هلاكو لما كان أول بروزه من همدان متوجها إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقميّ على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم فخذل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير أيبك و غيره، و قالوا إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، و أشاروا بأن يبعث بشيء يسير، فأرسل شيئا من الهدايا فاحتقرها هلاكوخان، و أرسل إلى الخليفة يطلب منه دويداره المذكور، و سليمان شاه، فلم يبعثهما إليه و لا بالا به حتى أزف قدومه، و وصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن باللَّه و لا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية و الشرقية، و جيوش
[١] زيادة من بعض النسخ التركية.