البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٤ - يوسف بن الأمير حسام الدين
يوسف بن الأمير حسام الدين
قزأوغلى بن عبد اللَّه عتيق الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة الحنبلي (رحمه اللَّه تعالى). الشيخ شمس الدين.
أبو المظفر الحنفي البغدادي ثم الدمشقيّ، سبط ابن الجوزي، أمه رابعة بنت الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزي الواعظ، و قد كان حسن الصورة طيب الصوت حسن الوعظ كثير الفضائل و المصنفات، و له مرآة الزمان في عشرين مجلدا من أحسن التواريخ، نظم فيه المنتظم لجده و زاد عليه و ذيل إلى زمانه، و هو من أبهج التواريخ، قدم دمشق في حدود الستمائة و حظي عند ملوك بنى أيوب، و قدموه و أحسنوا إليه، و كان له مجلس وعظ كل يوم سبت بكرة النهار عند السارية التي تقوم عندها الوعاظ اليوم عند باب مشهد على بن الحسين زين العابدين، و قد كان الناس يبيتون ليلة السبت بالجامع و يتركون البساتين في الصيف حتى يسمعوا ميعاده، ثم يسرعون إلى بساتينهم فيتذاكرون ما قاله من الفوائد و الكلام الحسن، على طريقة جده. و قد كان الشيخ تاج الدين الكندي، و غيره من المشايخ، يحضرون عنده تحت قبة يزيد، التي عند باب المشهد، و يستحسنون ما يقول. و درس بالعزية البرانية التي بناها الأمير عز الدين أيبك المعظمي، أستاذ دار المعظم، و هو واقف العزية الجوانية التي بالكشك أيضا، و كانت قديما تعرف بدور ابن منقذ. و درس السبط أيضا بالشبلية التي بالجبل عند جسر كحيل، و فوض إليه البدرية التي قبالتها، فكانت سكنه، و بها توفى ليلة الثلاثاء الحادي و العشرين من ذي الحجة من هذه السنة، و حضر جنازته سلطان البلد الناصر ابن العزيز فمن دونه. و قد أثنى عليه الشيخ شهاب الدين أبو شامة في علومه و فضائله و رياسته و حسن وعظه و طيب صوته و نضارة وجهه، و تواضعه و زهده و تودده، لكنه قال: و قد كنت مريضا ليلة وفاته فرأيت وفاته في المنام قبل اليقظة، و رأيته في حالة منكرة، و رآه غيري أيضا، فنسأل اللَّه العافية. و لم أقدر على حضور جنازته، و كانت جنازته حافلة حضره السلطان و الناس، و دفن هناك. و قد كان فاضلا عالما ظريفا منقطعا منكرا على أرباب الدول ما هم عليه من المنكرات، و قد كان مقتصدا في لباسه مواظبا على المطالعة و الاشتغال و الجمع و التصنيف، منصفا لأهل العلم و الفضل، مباينا لأولى الجهل، و تأتى الملوك و أرباب المناصب إليه زائرين و قاصدين، و ربى في طول زمانه في حياة طيبة و جاه عريض عند الملوك و العوام نحو خمسين سنة، و كان مجلس وعظه مطربا، و صوته فيما يورده حسنا طيبا، (رحمه اللَّه تعالى) و رضى عنه. و قد سئل في يوم عاشوراء زمن الملك الناصر صاحب حلب أن يذكر للناس شيئا من مقتل الحسين فصعد المنبر و جلس طويلا لا يتكلم، ثم وضع المنديل على وجهه و بكى شديدا ثم أنشأ يقول و هو يبكى: