البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٣ - الشيخ عماد الدين عبد اللَّه بن الحسن بن النحاس
قال أبو شامة: و في ليلة الجمعة مستهل رمضان من هذه السنة احترق مسجد المدينة على ساكنه أفضل الصلاة و السلام، ابتدأ حريقه من زاويته الغربية من الشمال، و كان دخل أحد القومة إلى خزانة ثم و معه نار فعلقت في الأبواب ثم، و اتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبت في السقوف، و أخذت قبلة فأعجلت الناس عن قطعها، فما كان إلا ساعة حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، و وقعت بعض أساطينه و ذاب رصاصها، و كل ذلك قبل أن ينام الناس، و احترق سقف الحجرة النبويّة و وقع ما وقع منه في الحجرة، و بقي على حاله حتى شرع في عمارة سقفه و سقف المسجد النبوي على صاحبه أفضل الصلاة و السلام، و أصبح الناس فعزلوا موضعا للصلاة، و عد ما وقع من تلك النار الخارجة و حريق المسجد من جملة الآيات، و كأنها كانت منذرة بما يعقبها في السنة الآتية من الكائنات على ما سنذكره. هذا كلام الشيخ شهاب الدين أبى شامة. و قد قال أبو شامة: في الّذي وقع في هذه السنة و ما بعدها شعرا و هو قوله:
بعد ست من المئين و الخمسين* * * لدى أربع جرى في العام
نار أرض الحجاز مع حرق المسجد* * * معه تغريق دار السلام
ثم أخذ التتار بغداد في أو* * * ل عام، من بعد ذاك و عام
تلم يعن أهلها و للكفر أعوان* * * عليهم، يا ضيعة الإسلام
و انقضت دولة الخلافة منها* * * صار مستعصم بغير اعتصام
فحنانا على الحجاز و مصر* * * و سلاما على بلاد الشام
رب سلم و صن و عاف بقايا* * * المدن، يا ذا الجلال و الاكرام
و في هذه السنة كملت المدرسة الناصرية الجوانية داخل باب الفراديس، و حضر فيها الدرس واقفها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غياث الدين غازى ابن الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادى فاتح بيت المقدس، و درس فيها قاضى البلد صدر الدين ابن سناء الدولة، و حضر عنده الأمراء و الدولة و العلماء و جمهور أهل الحل و العقد بدمشق. و فيها أمر بعمارة الرباط الناصري بسفح قاسيون.
و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان:
الشيخ عماد الدين عبد اللَّه بن الحسن بن النحاس
ترك الخلائق و أقبل على الزهادة و التلاوة و العبادة و الصيام المتتابع و الانقطاع بمسجده بسفح قاسيون نحوا من ثلاثين سنة، و كان من خيار الناس. و لما توفى دفن عند مسجده بتربة مشهورة به، و حمام ينسب إليه في مساريق الصالحية، و قد أثنى عليه السبط، و أرخوا وفاته كما ذكرت.