البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٢ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ستمائة
كان جده، و هو قد درس بها أيضا ثم انتقل إلى دمشق فدرس بالصادرية و بالمعدمية، ثم ولى قضاء القضاة الحنفية، و كان مشكور السيرة في الأحكام، و قد كان عمره حين وقعت هذه النار بالحجاز ثنتا عشرة سنة، و مثله ممن يضبط ما يسمع من الخبر أن الأعرابي أخبر والده في تلك الليالي، و صلوات اللَّه و سلامه على نبيه سيدنا محمد و آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا.
و مما نظمه بعض الشعراء في هذه النار الحجازية و غرق بغداد قوله:
سبحان من أصبحت مشيئته* * * جارية في الورى بمقدار
أغرق بغداد بالمياه كما* * * أحرق أرض الحجاز بالنار
قال أبو شامة: و الصواب أن يقال:
في سنة أغرق العراق و قد* * * أحرق أرض الحجاز بالنار
و قال ابن الساعي في تاريخ سنة أربع و خمسين و ستمائة: في يوم الجمعة ثامن عشر رجب- يعنى من هذه السنة- كنت جالسا بين يدي الوزير فورد عليه كتاب من مدينة الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) صحبة قاصد يعرف بقيماز العلويّ الحسنى المدني، فناوله الكتاب فقرأه و هو يتضمن أن مدينة الرسول (صلى اللَّه عليه و سلم) زلزلت يوم الثلاثاء ثانى جمادى الآخرة حتى ارتج القبر الشريف النبوي، و سمع صرير الحديد، و تحركت السلاسل، و ظهرت نار على مسيرة أربع فراسخ من المدينة، و كانت ترمى بزبد كأنه رءوس الجبال، و دامت خمسة عشر يوما. قال القاصد: و جئت و لم تنقطع بعد، بل كانت على حالها، و سأله إلى أي الجهات ترمى؟ فقال: إلى جهة الشرق، و اجتزت عليها أنا و نجابة اليمن و رمينا فيها سعفة فلم تحرقها، بل كانت تحرق الحجارة و تذيبها. و أخرج قيماز المذكور شيئا من الصخر المحترق و هو كالفحم لونا و خفة.
قال و ذكر في الكتاب و كان بخط قاضى المدينة أنهم لما زلزلوا دخلوا الحرم و كشفوا رءوسهم و استغفروا و أن نائب المدينة أعتق جميع مماليكه، و خرج من جميع المظالم، و لم يزالوا مستغفرين حتى سكنت الزلزلة، إلا أن النار التي ظهرت لم تنقطع. و جاء القاصد المذكور و لها خمسة عشر يوما و إلى الآن.
قال ابن الساعي: و قرأت بخط العدل محمود بن يوسف بن الامعانى شيخ حرم المدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، يقول: إن هذه النار التي ظهرت بالحجاز آية عظيمة، و إشارة صحيحة دالة على اقتراب الساعة، فالسعيد من انتهز الفرصة قبل الموت، و تدارك أمره بإصلاح حاله مع اللَّه عز و جل قبل الموت. و هذه النار في أرض ذات حجر لا شجر فيها و لا نبت، و هي تأكل بعضها بعضا إن لم تجد ما تأكله، و هي تحرق الحجارة و تذيبها، حتى تعود كالطين المبلول، ثم يضربه الهواء حتى يعود كخبث الحديد الّذي يخرج من الكير، فاللَّه يجعلها عبرة للمسلمين و رحمة للعالمين، بمحمد و آله الطاهرين.