البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩١ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ستمائة
يا كاشف الضر صفحا عن جرائمنا* * * لقد أحاطت بنا يا رب بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها* * * حملا و نحن بها حقا أحقاء
زلازل تخشع الصم الصلاب لها* * * و كيف يقوى على الزلزال شماء
أقام سبعا يرج الأرض فانصدعت* * * عن منظر منه عين الشمس عشواء
بحر من النار تجرى فوقه سفن* * * من الهضاب لها في الأرض أرساء
كأنما فوقه الأجبال طافية* * * موج عليه لفرط البهج وعثاء
ترمى لها شررا كالقصر طائشة* * * كأنها ديمة تنصب هطلاء
تنشق منها قلوب الصخر إن زفرت* * * رعبا و ترعد مثل السعف أضواء
منها تكاثف في الجو الدخان إلى* * * أن عادت الشمس منه و هي دهماء
قد أثرت سفعة في البدر لفحتها* * * فليلة التم بعد النور ليلاء
تحدث النيرات السبع ألسنها* * * بما يلاقى بها تحت الثرى الماء
و قد أحاط لظاها بالبروج إلى* * * أن كاد يلحقها بالأرض إهواء
فيا لها آية من معجزات رسول* * * اللَّه يعقلها القوم الألباء
فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت* * * منا الذنوب و ساء القلب أسواء
فاسمح و هب و تفضل و امح و اعف و جد* * * و اصفح فكل لفرط الجهل خطاء
فقوم يونس لما آمنوا كشف* * * العذاب عنهم و عم القوم نعماء
و نحن أمة هذا المصطفى و لنا* * * منه إلى عفوك المرجو دعاء
هذا الرسول الّذي لولاه ما سلكت* * * محجة في سبيل اللَّه بيضاء
فارحم و صل على المختار ما خطبت* * * على علا منبر الأوراق ورقاء
قلت:
و الحديث الوارد في أمر هذه النار مخرج في الصحيحين من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى»
و هذا لفظ البخاري.
و قد وقع هذا في هذه السنة- أعنى سنة أربع و خمسين و ستمائة- كما ذكرنا، و قد أخبرنى قاضى القضاة صدر الدين على بن أبى القاسم التميمي الحنفي الحاكم بدمشق في بعض الأيام في المذاكرة، و جرى ذكر هذا الحديث و ما كان من أمر هذه النار في هذه السنة فقال: سمعت رجلا من الأعراب يخبر والدي ببصرى في تلك الليالي أنهم رأوا أعناق الإبل في ضوء هذه النار التي ظهرت في أرض الحجاز.
قلت: و كان مولده في سنة ثنتين و أربعين و ستمائة، و كان والده مدرسا للحنفية ببصرى و كذلك