البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٦ - الشيخ أبو عمرو بن الحاجب
قال بالذي أمهلك لما أمهلتنى، ثم أذنب العبد ثانيا فأراد عقوبته فقال له مثل ذلك فعفا عنه، ثم أذنب الثالثة فعاقبه و هو لا يتكلم فقال له ابن عمر: ما لك لم تقل مثل ما قلت في الأولتين؟ فقال:
يا سيدي حياء من حلمك مع تكرار جرمي. فبكى ابن عمر و قال: أنا أحق بالحياء من ربى، أنت حر لوجه اللَّه تعالى. و من شعره يمدح الخليفة.
يا من إذا بخل السحاب بمائه* * * هطلت يداه على البرية عسجدا
جورت كسرى يا مبخل حاتم* * * فغدت بنو الآمال نحوك سجدا
سو قد أورد له ابن الساعي أشعارا كثيرة حسنة (رحمه اللَّه تعالى).
الشيخ أبو عمرو بن الحاجب
المالكي عثمان بن عمر بن أبى بكر بن يونس الروينى ثم المصري، العلامة أبو عمرو شيخ المالكية كان أبوه صاحبا للأمير عز الدين موسك الصلاحى، و اشتغل هو بالعلم فقرأ القراءات و حرر النحو تحريرا بليغا، و تفقه و ساد أهل عصره، ثم كان رأسا في علوم كثيرة، منها الأصول و الفروع و العربية و التصريف و العروض و التفسير و غير ذلك. و قد كان استوطن دمشق في سنة سبع عشرة و ستمائة، و درس بها للمالكية بالجامع حتى كان خروجه بصحبة الشيخ عز الدين بن عبد السلام في سنة ثمان و ثلاثين، فصارا إلى الديار المصرية حتى كانت وفاة الشيخ أبى عمرو في هذه السنة بالإسكندرية، و دفن بالمقبرة التي بين المنارة و البلد. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: و كان من أذكى الأئمة قريحة، و كان ثقة حجة متواضعا عفيفا كثير الحياء منصفا محبا للعلم و أهله، ناشرا له محتملا للأذى صبورا على البلوى، قدم دمشق مرارا آخرها سنة سبع عشرة، فأقام بها مدرسا للمالكية و شيخا للمستفيدين عليه في علمي القراءات و العربية، و كان ركنا من أركان الدين في العلم و العمل، بارعا في العلوم متقنا لمذهب مالك بن أنس (رحمه اللَّه تعالى). و قد أثنى عليه ابن خلكان ثناء كثيرا، و ذكر أنه جاء إليه في أداء شهادة حين كان نائبا في الحكم بمصر و سأله عن مسألة اعتراض الشرط على الشرط، إذا قال إن أكلت إن شربت فأنت طالق، لم كان يقع الطلاق حين شربت أولا؟ و ذكر أنه أجاب عن ذلك في تؤدة و سكون. قلت و مختصره في الفقه من أحسن المختصرات، انتظم فيه فوائد ابن شاش، و مختصره في أصول الفقه، استوعب فيه عامة فوائد الأحكام لسيف الدين الآمدي، و قد من اللَّه تعالى على بحفظه و جمعت كراريس في الكلام على ما أودعه فيه من الأحاديث النبويّة، و للَّه الحمد. و له شرح المفصل و الأمالي في العربية و المقدمة المشهورة في النحو، اختصر فيها مفصل الزمخشريّ و شرحها، و قد شرحها غيره أيضا، و له التصريف و شرحه، و له عروض على وزن الشاطبية (رحمه اللَّه) و رضى عنه.