البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٥ - على بن يحيى جمال الدين أبو الحسن المحرمي
الدين أبو شامة في الذيل، و قد أطال قصته جدا. و فيها سقطت قنطرة رومية قديمة البناء بسوق الدقيق من دمشق، عند قصر أم حكيم، فتهدم بسببها شيء كثير من الدور و الدكاكين، و كان سقوطها نهارا. و في ليلة الأحد الخامس و العشرين من رجب وقع حريق بالمنارة الشرقية فأحرق جميع حشوها، و كانت سلالمها سقالات من خشب، و هلك للناس ودائع كثيرة كانت فيها، و سلم اللَّه الجامع و له الحمد. و قدم السلطان بعد أيام إلى دمشق فأمر بإعادتها كما كانت، قلت: ثم احترقت و سقطت بالكلية بعد سنة أربعين و سبعمائة و أعيدت عمارتها أحسن مما كانت و للَّه الحمد. و بقيت حينئذ المنارة البيضاء الشرقية بدمشق كما نطق به الحديث في نزول عيسى عليه السلام عليها، كما سيأتي بيانه و تقريره في موضعه إن شاء اللَّه تعالى. ثم عاد السلطان الصالح أيوب مريضا في محفة إلى الديار المصرية و هو ثقيل مدنف، شغله ما هو فيه عن أمره بقتل أخيه العادل أبى بكر بن الكامل الّذي كان صاحب الديار المصرية بعد أبيه، و قد كان سجنه سنة استحوذ على مصر، فلما كان في هذه السنة في شوالها أمر بخنقه فخنق بتربة شمس الدولة، فما عمر بعده إلا إلى النصف من شعبان في العام القابل في أسوأ حال، و أشد مرض، فسبحان من له الخلق و الأمر.
و
فيها كانت وفاة
قاضى القضاة بالديار المصرية.
فضل الدين الخونجي
الحكيم المنطقي البارع في ذلك، و كان مع ذلك جيد السيرة في أحكامه قال أبو شامة: أثنى عليه.
غير واحد.
على بن يحيى جمال الدين أبو الحسن المحرمي
كان شابا فاضلا أديبا شاعرا ماهرا، صنف كتابا مختصرا وجيزا جامعا لفنون كثيرة في الرياضة و العقل و ذم الهوى، و سماه نتائج الأفكار. قال فيه من الكلم المستفادة الحكمية: السلطان إمام متبوع، و دين مشروع، فان ظلم جارت الحكام لظلمه، و إن عدل لم يجر أحد في حكمه، من مكنه اللَّه في أرضه و بلاده و ائتمنه على خلقه و عباده، و بسط يده و سلطانه، و رفع محله و مكانه، فحقيق عليه أن يؤدى الأمانة، و يخلص الديانة، و يجمل السريرة، و يحسن السيرة، و يجعل العدل دأبه المعهود، و الأجر غرضه المقصود، فالظلم يزل القدم، و يزيل النعم، و يجلب الفقر، و يهلك الأمم.
و قال أيضا: معارضة الطبيب توجب التعذيب، رب حيلة أنفع من قبيلة، سمين الغضب مهزول، و والى الغدر معزول، قلوب الحكماء تستشف الأسرار من لمحات الأبصار، ارض من أخيك في ولايته بعشر ما كنت تعهده في مودته، التواضع من مصائد الشرف، ما أحسن حسن الظن لو لا أن فيه العجز. ما أقبح سوء الظن لو لا أن فيه الحزم. و ذكر في غضون كلامه أن خادما لعبد اللَّه بن عمر أذنب فأراد ابن عمر أن يعاقبه على ذنبه فقال: يا سيدي أما لك ذنب تخاف من اللَّه فيه؟ قال بلى،