البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٨ - الشيخ تقى الدين ابن الصلاح
الاتابك لؤلؤ الحلبي لابن أستاذه الناصر، و كان شابا صغيرا: انظر إلى عاقبة الظلم. و أما الخوارزمية فإنهم ساروا إلى ناحية الكرك فأكرمهم الناصر داود صاحبها، و أحسن إليهم و صاهرهم و أنزلهم بالصلت فأخذوا معها نابلس، فأرسل إليهم الصالح أيوب جيشا مع فخر الدين ابن الشيخ فكسرهم على الصلت و أجلاهم عن تلك البلاد، و حاصر الناصر بالكرك و أهانه غاية الإهانة، و قدم الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية فدخل دمشق في أبهة عظيمة، و أحسن إلى أهلها، و تصدق على الفقراء و المساكين، و سار إلى بعلبكّ و إلى بصرى و إلى صرخد، فتسلمها من صاحبها عز الدين أيبك المعظمي، و عوضه عنها ثم عاد إلى مصر مؤيدا منصورا. و هذا كله في السنة الآتية.
و في هذه السنة كانت وقعة عظيمة بين جيش الخليفة و بين التتار لعنهم اللَّه، فكسرهم المسلمون كسرة عظيمة و فرقوا شملهم، و هزموا من بين أيديهم، فلم يلحقوهم و لم يتبعوهم، خوفا من غائلة مكرهم و عملا
بقوله (صلى اللَّه عليه و سلم) «اتركوا الترك ما تركوكم».
و في هذه السنة ظهر ببلاد خوزستان على شق جبل داخله من الابنية الغريبة العجيبة ما يحار فيه الناظر، و قد قيل إن ذلك من بناء الجن، و أورد صفته ابن الساعي في تاريخه
و ممن توفى في هذه السنة من الأعيان
الشيخ تقى الدين ابن الصلاح
عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الامام العلامة، مفتى الشام و محدثها، الشهرزوريّ ثم الدمشقيّ، سمع الحديث ببلاد الشرق و تفقه هنالك بالموصل و حلب و غيرها، و كان أبوه مدرسا بالأسدية التي بحلب، و واقفها أسد الدين شيركوه ابن شاذى، و قدم هو الشام و هو في عداد الفضلاء الكبار.
و أقام بالقدس مدة و درس بالصلاحية، ثم تحول منه إلى دمشق، و درس بالرواحية ثم بدار الحديث الأشرفية، و هو أول من وليها من شيوخ الحديث، و هو الّذي صنف كتاب وقفها، ثم بالشامية الجوانية، و قد صنف كتبا كثيرة مفيدة في علوم الحديث و الفقه [و له] تعاليق حسنة على الوسيط و غيره من الفوائد التي يرحل إليها. و كان دينا زاهدا ورعا ناسكا، على طريق السلف الصالح، كما هو طريقة متأخري أكثر المحدثين، مع الفضيلة التامة في فنون كثيرة، و لم يزل على طريقة جيدة حتى كانت وفاته بمنزله في دار الحديث الأشرفية ليلة الأربعاء الخامس و العشرين من ربيع الآخر من سنة ثلاث و أربعين و ستمائة، و صلى عليه بجامع دمشق و شيعه الناس إلى داخل باب الفرج، و لم يمكنهم البروز لظاهره لحصار الخوارزمية، و ما صحبه إلى جبانة الصوفية إلا نحو العشرة (رحمه اللَّه) و تغمده برضوانه. و قد أثنى عليه القاضي شمس الدين بن خلكان، و كان من شيوخه. قال السبط أنشدنى الشيخ تقى الدين من لفظه (رحمه اللَّه):