البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٧ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و ستمائة
إسماعيل من بعلبكّ فضاق الحال على الدماشقة، فعدمت الأموال و غلت الأسعار جدا، حتى إنه بلغ ثمن الغرارة ألف و ستمائة، و قنطار الدقيق تسعمائة، و الخبز كل وقيتين إلا ربع بدرهم، و رطل اللحم بسبعة و بيعت الأملاك بالدقيق، و أكلت القطاط و الكلاب و الميتات و الجيفات، و تماوت الناس في الطرقات و عجزوا عن التغسيل و التكفين و الإقبار، فكانوا يلقون موتاهم في الآبار، حتى أنتنت المدينة و ضجر الناس، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و في هذه الأيام توفى الشيخ تقى الدين ابن الصلاح، شيخ دار الحديث و غيرها من المدارس، فما أخرج من باب الفرج إلا بعد جهد جهيد، و دفن بالصوفية (رحمه اللَّه) قال ابن السبط: و مع هذا كانت الخمور دائرة و الفسق ظاهرا، و المكوس بحالها و ذكر الشيخ شهاب الدين أن الأسعار غلت في هذه السنة جدا، و هلك الصعاليك بالطرقات، كانوا يسألون لقمة ثم صاروا يسألون لبابة ثم تنازلوا إلى فلس يشترون به نخلة يبلونها و يأكلونها، كالدجاج. قال: و أنا شاهدت ذلك. و ذكر تفاصيل الأسعار و غلاءها في الأطعمة و غيرها، ثم زال هذا كله في آخر السنة بعد عيد الأضحى و للَّه الحمد.
و لما بلغ الصالح أيوب أن الخوارزمية قد مالئوا عليه و صالحوا عمه الصالح إسماعيل، كاتب الملك المنصور إبراهيم بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص، فاستماله إليه و قوى جانب نائب دمشق معين الدين حسين ابن الشيخ، و لكنه توفى في رمضان من هذه السنة كما سيأتي في الوفيات. و لما رجع المنصور صاحب حمص عن موالاة الصالح إسماعيل شرع في جمع الجيوش من الحلبيين و التركمان و الأعراب لاستنقاذ دمشق من الخوارزمية، و حصارهم إياها، فبلغ ذلك الخوارزمية فخافوا من غائلة ذلك، و قالوا دمشق ما تفوت، و المصلحة قتاله عند بلده، فساروا إلى بحيرة حمص، و أرسل الناصر داود جيشه إلى الصالح إسماعيل مع الخوارزمية، و ساق جيش دمشق فانضافوا إلى صاحب حمص، و التقوا مع الخوارزمية عند بحيرة حمص، و كان يوما مشهودا، قتل فيه عامة الخوارزمية، و قتل ملكهم بركات خان، و جيء برأسه على رمح، فتفرق شملهم و تمزقوا شذر مذر، و ساق المنصور صاحب حمص إلى بعلبكّ فتسلمها الصالح أيوب، و جاء إلى دمشق فنزل ببستان سامة خدمة للصالح أيوب، ثم حدثته نفسه بأخذها فاتفق مرضه، فمات (رحمه اللَّه) في السنة الآتية، و نقل إلى حمص، فكانت مدة ملكه بعد أبيه عشر سنين، و قام من بعده فيها ابنه الملك الأشرف مدة سنتين، ثم أخذت منه على ما سيأتي و تسلم نواب الصالح أيوب بعلبكّ و بصرى، و لم يبق بيد الصالح إسماعيل بلد يأوى إليه و لا أهل و لا ولد و لا مال، بل أخذت جميع أمواله و نقلت عياله تحت الحوطة إلى الديار المصرية، و سار هو فاستجار بالملك الناصر بن العزيز بن الظاهر غازى صاحب حلب، فآواه و أكرمه و احترمه، و قال