البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦١ - خاتون بنت عز الدين مسعود
أتقن في شبيبته تلاوة القرآن حفظا و تجويدا، و أتقن العربية و الخط الحسن و غير ذلك من الفضائل على الشيخ شمس الدين أبى المظفر على بن محمد بن النيار أحد أئمة الشافعية في زمانه، و قد أكرمه و أحسن إليه في خلافته، و كان المستعصم على ما ذكر كثير التلاوة حسن الأداء طيب الصوت، يظهر عليه خشوع و إنابة، و قد نظر في شيء من التفسير و حل المشكلات، و كان مشهورا بالخير مشكورا مقتديا بأبيه المستنصر جهده و طاقته، و قد مشت الأمور في أيامه على السداد و الاستقامة بحمد اللَّه، و كان القائم بهذه البيعة المستعصمية شرف الدين أبو الفضائل إقبال المستنصري، فبايعه أولا بنو عمه و أهله من بنى العباس، ثم أعيان الدولة من الأمراء و الوزراء و القضاة و العلماء و الفقهاء و من بعدهم من أولى الحل و العقد و العامة و غيرهم، و كان يوما مشهودا و مجمعا محمودا و رأيا سعيدا، و أمرا حميدا، و جاءت البيعة من سائر الجهات و الأقطار و البلدان و الأمصار، و خطب له في سائر البلدان، و الأقاليم و الرساتيق، و على سائر المنابر شرقا و غربا، بعدا و قربا، كما كان أبوه و أجداده، (رحمهم اللَّه) أجمعين.
و فيها وقع من الحوادث أنه كان بالعراق وباء شديد في آخر أيام المستنصر و غلا السكر و الأدوية فتصدق الخليفة المستنصر باللَّه (رحمه اللَّه) بسكر كثير على المرضى، تقبل اللَّه منه. و في يوم الجمعة رابع عشر شعبان أذن الخليفة المستعصم باللَّه لأبى الفرج عبد الرحمن بن محيي الدين يوسف ابن الشيخ أبى الفرج بن الجوزي- و كان شابا ظريفا فاضلا- في الوعظ بباب البدرية، فتكلم و أجاد و أفاد و امتدح الخليفة المستعصم بقصيدة طويلة فصيحة، سردها ابن الساعي بكمالها، و من يشابه أباه فما ظلم، و الشبل في المخبر مثل الأسد. و فيها كانت وقعة عظيمة بين الحلبيين و بين الخوارزمية، و مع الخوارزمية شهاب الدين غازى صاحب ميافارقين، فكسرهم الحلبيون كسرة عظيمة منكرة، و غنموا من أموالهم شيئا كثيرا جدا، و نهبت نصيبين مرة أخرى، و هذه سابع عشر مرة نهبت في هذه السنين، فانا للَّه و إنا إليه راجعون. و عاد الغازي إلى ميافارقين و تفرقت الخوارزمية يفسدون في الأرض صحبة مقدمهم بركات خان، لا بارك اللَّه فيه، و قدم على الشهاب غازى منشور بمدينة خلاط فتسلمها و ما فيها من الحواصل. و فيها عزم الصالح أيوب صاحب مصر على دخول الشام فقيل له إن العساكر مختلفة فجهز عسكرا إليها و أقام هو بمصر يدير مملكتها.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
المستنصر باللَّه
أمير المؤمنين كما تقدم. و الحرمة المصونة الجليلة.
خاتون بنت عز الدين مسعود
ابن مودود بن زنكي بن آقسنقر الاتابكية واقفة المدرسة الأتابكية بالصالحية، و كانت زوجة