البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٠ - خلافة المستعصم باللَّه
بهي المنظر، عليه نور بيت النبوة رضى اللَّه عنه و أرضاه. و حكى أنه اجتاز راكبا في بعض أزفة بغداد قبل غروب الشمس من رمضان، فرأى شيخا كبيرا و معه إناء فيه طعام قد حمله من محلة إلى محلة أخرى، فقال: أيها الشيخ لم لا أخذت الطعام من محلتك؟ أو أنت محتاج تأخذ من المحلتين؟
فقال لا و اللَّه يا سيدي- و لم يعرف أنه الخليفة- و لكنى شيخ كبير، و قد نزل بى الوقت و أنا أستحى من أهل محلتي أن أزاحمهم وقت الطعام، فيشمت بى من كان يبغضني، فأنا أذهب إلى غير محلتي فآخذ الطعام و أتحين وقت كون الناس في صلاة المغرب فأدخل بالطعام إلى منزلي بحيث لا يراني أحد.
فبكى الخليفة (رحمه اللَّه) و أمر له بألف دينار، فلما دفعت إليه فرح الشيخ فرحا شديدا حتى قيل إنه انشق قلبه من شدة الفرح، و لم يعش بعد ذلك إلا عشرين يوما، ثم مات فخلف الألف دينار إلى الخليفة، لأنه لم يترك وارثا. و قد أنفق منها دينارا واحدا، فتعجب الخليفة من ذلك و قال: شيء قد خرجنا عنه لا يعود إلينا، تصدقوا بها على فقراء محلته، ف(رحمه اللَّه تعالى).
و قد خلف من الأولاد ثلاثة، اثنان شقيقان و هما أمير المؤمنين المستعصم باللَّه الّذي ولى الخلافة يعده و أبو أحمد عبد اللَّه، و الأمير أبو القاسم عبد العزيز و أختهما من أم أخرى كريمة صان اللَّه حجابها.
و قد رثاه الناس بأشعار كثيرة أورد منها ابن الساعي قطعة صالحة، و لم يستوزر أحدا بل أقر أبا الحسن محمد بن محمد القمي على نيابة الوزارة، ثم كان بعده نصر الدين أبو الأزهر أحمد بن محمد الناقد الّذي كان أستاذ دار الخلافة، و اللَّه تعالى أعلم بالصواب.
خلافة المستعصم باللَّه
أمير المؤمنين و هو آخر خلفاء بنى العباس ببغداد، و هو الخليفة الشهيد الّذي قتله التتار بأمر هلاكو ابن تولى ملك التتار بن جنكيزخان لعنهم اللَّه، في سنة ست و خمسين و ستمائة كما سيأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى، و هو أمير المؤمنين المستعصم باللَّه أبو أحمد عبد اللَّه بن أمير المؤمنين المستنصر باللَّه أبى جعفر المنصور بن أمير المؤمنين الظاهر باللَّه أبى نصر محمد بن أمير المؤمنين الناصر لدين اللَّه أبى العباس أحمد بن أمير المؤمنين المستضيء باللَّه أبى محمد الحسن بن أمير المؤمنين المستنجد باللَّه أبى المظفر يوسف بن أمير المؤمنين المقتفى لأمر اللَّه أبى عبد اللَّه محمد بن أمير المؤمنين المستظهر باللَّه أبى العباس أحمد بن الخليفة المقتدى بأمر اللَّه أبى القاسم عبد اللَّه و بقية نسبه إلى العباس في ترجمة جده الناصر، و هؤلاء الذين ذكرناهم كلهم ولى الخلافة يتلو بعضهم بعضا، و لم يتفق هذا لأحد قبل المستعصم، أن في نسبه ثمانية نسقا ولوا الخلافة لم يتخللهم أحد، و هو التاسع (رحمه اللَّه تعالى) بمنه.
لما توفى أبوه بكرة الجمعة عاشر جمادى الآخرة من سنة أربعين و ستمائة استدعى هو من التاج يومئذ بعد الصلاة فبويع بالخلافة، و لقب بالمستعصم، و له من العمر يومئذ ثلاثون سنة و شهور، و قد