البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٧ - أبو المحاسن محمد بن نصر الدين بن نصر
و يحتفل به احتفالا هائلا، و كان مع ذلك شهما شجاعا فاتكا بطلا عاقلا عالما عادلا (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه. و قد صنف الشيخ أبو الخطاب ابن دحية له مجلدا في المولد النبوي سماه التنوير في مولد البشير النذير، فأجازه على ذلك بألف دينار، و قد طالت مدته في الملك في زمان الدولة الصلاحية، و قد كان محاصر عكا و إلى هذه السنة محمود السيرة و السريرة، قال السبط: حكى بعض من حضر سماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوى، و عشرة آلاف دجاجة، و مائة ألف زبدية، و ثلاثين ألف صحن حلوى، قال: و كان يحضر عنده في المولد أعيان العلماء و الصوفية فيخلع عليهم و يطلق لهم و يعمل للصوفية سماعا من الظهر إلى الفجر، و يرقص بنفسه معهم، و كانت له دار ضيافة للوافدين من أي جهة على أي صفة، و كانت صدقاته في جميع القرب و الطاعات على الحرمين و غيرهما، و يتفك من الفرنج في كل سنة خلقا من الأسارى، حتى قيل إن جملة من استفكه من أيديهم ستون ألف أسير، قالت زوجته ربيعة خاتون بنت أيوب- و كان قد زوجه إياها أخوها صلاح الدين، لما كان معه على عكا- قالت: كان قميصه لا يساوى خمسة دراهم فعاتبته بذلك فقال:
لبسى ثوبا بخمسة و أتصدق بالباقي خير من أن ألبس ثوبا مثمنا و أدع الفقير المسكين، و كان يصرف على المولد في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، و على دار الضيافة في كل سنة مائة ألف دينار. و على الحرمين و المياه بدرب الحجاز ثلاثين ألف دينار سوى صدقات السر، (رحمه اللَّه تعالى)، و كانت وفاته بقلعة إربل، و أوصى أن يحمل إلى مكة فلم يتفق فدفن بمشهد على.
و الملك العزيز بن عثمان بن العادل
و هو شقيق المعظم، كان صاحب بانياس و تملك الحصون التي هنالك، و هو الّذي بنى المعظمية، و كان عاقلا قليل الكلام مطيعا لأخيه المعظم، و دفن عنده. و كانت وفاته يوم الاثنين عاشر رمضان ببستانه الناعمة من لهيا (رحمه اللَّه) و عفا عنه.
أبو المحاسن محمد بن نصر الدين بن نصر
ابن الحسين بن على بن محمد بن غالب الأنصاري، المعروف بابن عنين الشاعر. قال ابن الساعي أصله من الكوفة و ولد بدمشق و نشأ بها، و سافر عنها سنين، فجاب الأقطار و البلاد شرقا و غربا و دخل الجزيرة و بلاد الروم و العراق و خراسان و ما وراء النهر و الهند و اليمن و الحجاز و بغداد، و مدح أكثر أهل هذه البلاد، و حصل أموالا جزيلة، و كان ظريفا شاعرا مطيقا مشهورا، حسن الأخلاق جميل المعاشرة، و قد رجع إلى بلده دمشق فكان بها حتى مات هذه السنة في قول ابن الساعي، و أما السبط و غيره فأرخوا وفاته في سنة ثلاث و ثلاثين، و قد قيل إنه مات في سنة إحدى و ثلاثين و اللَّه أعلم. و المشهور أن أصله من حوران مدينة زرع، و كانت إقامته بدمشق في الجزيرة قبلي الجامع،