البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - الجمال المصري
الخلع و الجوائز، و قدم رسول من صاحب الموصل يوم غرة شعبان من الوزير ضياء الدين أبى الفتح نصر اللَّه بن الأثير، فيها التهنئة و التعزية بعبارة فصيحة بليغة.
ثم إن المستنصر باللَّه كان يواظب على حضور الجمعة راكبا ظاهرا للناس، و إنما معه خادمان و راكب دار، و خرج مرة و هو راكب فسمع ضجة عظيمة فقال: ما هذا؟ فقيل له التأذين، فترجل عن مركوبة و سعى ماشيا، ثم صار يدمن المشي إلى الجمعة رغبة في التواضع و الخشوع، و يجلس قريبا من الامام و يستمع الخطبة، ثم أصلح له المطبق فكان يمشى فيه إلى الجمعة، و ركب في الثاني و العشرين من شعبان ركوبا ظاهرا للناس عامة، و لما كانت أول ليلة من رمضان تصدق بصدقات كثيرة من الدقيق و الغنم و النفقات على العلماء و الفقراء و المحاويج، إعانة لهم على الصيام، و تقوية لهم على القيام. و في يوم السابع و العشرين من رمضان نقل تابوت الظاهر من دار الخلافة إلى التربة من الرصافة، و كان يوما مشهودا، و بعث الخليفة المستنصر يوم العيد صدقات كثيرة و إنعاما جزيلا إلى الفقهاء و الصوفية و أئمة المساجد، على يدي محيي الدين ابن الجوزي. و ذكر ابن الأثير أنه كانت زلزلة عظيمة في هذه السنة، هدمت شيئا كثيرا من القرى و القلاع ببلادهم، و ذكر أنه ذبح شاة ببلدهم فوجد لحمها مرا حتى رأسها و أكارعها [و معاليقها و جميع أجزائها].
و ممن توفى فيها من الأعيان بعد الخليفة الظاهر كما تقدم:
الجمال المصري
يونس بن بدران بن فيروز جمال الدين المصري، قاضى القضاة في هذا الحين، اشتغل و حصل و برع و اختصر كتاب الأم للإمام الشافعيّ، و له كتاب مطول في الفرائض، و ولى تدريس الأمينية بعد التقى صالح الضرير، الّذي قتل نفسه، ولاه إياه الوزير صفى الدين بن شكر، و كان معتنيا بأمره ثم ولى وكالة بيت المال بدمشق، و ترسل إلى الملوك و الخلفاء عن صاحب دمشق، ثم ولاه المعظم قضاء القضاة بدمشق بعد عزله الزكي ابن الزكي، و ولاه تدريس العادلية الكبيرة، حين كمل بناؤها فكان أول من درس بها و حضره الأعيان كما ذكرنا. و كان يقول أولا درسا في التفسير حتى أكمل التفسير إلى آخره، و يقول درس الفقه بعد التفسير، و كان يعتمد في أمر إثبات السجلات اعتمادا حسنا، و هو أنه كان يجلس في كل يوم جمعة بكرة و يوم الثلاثاء و يستحضر عنده في إيوان العادلية جميع شهود البلد، و من كان له كتاب يثبته حضر و استدعى شهوده فأدوا على الحاكم و ثبت ذلك سريعا، و كان يجلس كل يوم جمعة بعد العصر إلى الشباك الكمالي بمشهد عثمان فيحكم حتى يصلى المغرب، و ربما مكث حتى يصلى العشاء أيضا، و كان كثير المذاكرة للعلم كثير الاشتغال حسن الطريقة، لم ينقم عليه أنه أخذ شيئا لأحد. قال أبو شامة: و إنما كان ينقم عليه أنه كان يشير على