البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١ - على بن حسان بن سافر
و من العدد شيء كثير، و ملك عليهم من حصونهم شيئا كثيرا، و حاصر مدينتهم طليطلة مدة، ثم لم يفتحها فانفصل عنها راجعا إلى بلاده. و لما حصل للقيش ما حصل حلق لحيته و رأسه و نكس صليبه و ركب حمارا و حلف لا يركب فرسا و لا يتلذذ بطعام و لا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية، ثم طاف على ملوك الفرنج فجمع من الجنود ما لا يعلمه إلا اللَّه عز و جل، فاستعد له السلطان يعقوب فالتقيا فاقتتلا قتالا عظيما لم يسمع بمثله، فانهزم الفرنج أقبح من هزيمتهم الأولى، و غنموا منهم نظير ما تقدم أو أكثر، و استحوذ السلطان على كثير من معاملهم و قلاعهم، و للَّه الحمد و المنة، حتى قيل إنه بيع الأسير بدرهم، و الحصان بخمسة دراهم، و الخيمة بدرهم، و السيف بدون ذلك ثم قسم السلطان هذه الغنائم على الوجه الشرعي، فاستغنى المجاهدون إلى الأبد، ثم طلبت الفرنج من السلطان الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين، و إنما حمله على ذلك أن رجلا يقال له على بن إسحاق التوزي الّذي يقال له المكلثم، ظهر ببلاد إفريقية فأحدث أمورا فظيعة في غيبة السلطان و اشتغاله بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين، فأحدث هذا المارق النوزى بالبادية حوادث، و عاث في الأرض فسادا، و قتل خلقا كثيرا، و تملك بلادا.
و في هذه السنة و التي قبلها استحوذ جيش الخليفة على بلاد الري و أصبهان و همدان و خوزستان و غيرها من البلاد، و قوى جانب الخلافة على الملوك و الممالك. و فيها خرج العزيز من مصر قاصدا دمشق ليأخذها من يد أخيه الأفضل، و كان الأفضل قد تاب و أناب و أقلع عما كان فيه من الشراب و اللهو و اللعب، و أقبل على الصيام و الصلاة، و شرع بكتابة مصحف بيده، و حسنت طريقته، غير أن وزيره الضيا الجزري يفسد عليه دولته، و يكدر عليه صفوته، فلما بلغ الأفضل إقبال أخيه نحوه سار سريعا إلى عمه العادل و هو بجعبر فاستنجده فسار معه و سبقه إلى دمشق، و راح الأفضل أيضا إلى أخيه الظاهر بحلب، فسارا جميعا نحو دمشق، فلما سمع العزيز بذلك و قد اقترب من دمشق، كر راجعا سريعا إلى مصر، و ركب وراءه العادل و الأفضل ليأخذا منه مصر، و قد اتفقا على أن يكون ثلث مصر للعادل و ثلثاها للأفضل، ثم بدا للعادل في ذلك فأرسل للعزيز يثبته، و أقبل على الأفضل يثبطه، و أقاما على بلبيس أياما حتى خرج إليهما القاضي الفاضل من جهة العزيز، فوقع الصلح على أن يرجع القدس و معاملتها للأفضل، و يستقر العادل مقيما بمصر على إقطاعه القديم، فأقام العادل بها طمعا فيها و رجع العادل إلى دمشق بعد ما خرج العزيز لتوديعه، و هي هدنة على قذا، و صلح على دخن.
و فيها توفي من الأعيان.
على بن حسان بن سافر
أبو الحسن الكاتب البغدادي، كان أديبا شاعرا. من شعره قوله:
نفى رقادي و مضى* * * برق بسلع و مضا
*
لاح كما سلت يد* * * الأسود عضبا أبيضا