البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٧ - خلافة الظاهر بن الناصر
للإفطار في رمضان و دورا لضيافة الحجاج، ثم أبطل ذلك، و كان قد أسقط مكوسا ثم أعادها و جعل جل همه في رمى البندق و الطيور المناسيب و سراويلات الفتوة. قال ابن الأثير: و إن كان ما ينسبه العجم إليه صحيحا من أنه هو الّذي أطمع التتار في البلاد و راسلهم فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم. قلت، و قد ذكر عنه أشياء غريبة، من ذلك أنه كان يقول للرسل الوافدين عليه فعلتم في مكان كذا كذا، و فعلتم في الموضع الفلاني كذا، حتى ظن بعض الناس أو أكثرهم أنه كان يكاشف أو أن جنيا يأتيه بذلك، و اللَّه أعلم.
خلافة الظاهر بن الناصر
لما توفى الخليفة الناصر لدين اللَّه كان قد عهد إلى ابنه أبى نصر محمد هذا و لقبه بالظاهر، و خطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه على، فتوفى في حياة أبيه سنة ثنتى عشرة، فاحتاج إلى إعادة هذا لولاية العهد فخطب له ثانيا، فحين توفى بويع بالخلافة، و عمره يومئذ ثنتان و خمسون سنة، فلم يل الخلافة من بنى العباس أسن منه، و كان عاقلا وقورا دينا عادلا محسنا، رد مظالم كثيرة و أسقط مكوسا كان قد أحدثها أبوه، و سار في الناس سيرة حسنة، حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن عبد العزيز أعدل منه لو طالت مدته، لكنه لم يحل إلى الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر أسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطلت، و وضع عن أهل بلدة واحدة و هي يعقوبا سبعين ألف دينار كان أبوه قد زادها عليهم في الخراج، و كانت صنجة المخزن تزيد على صنجة البلد نصف دينار في كل مائة إذا قبضوا و إذا أقبضوا دفعوا بصنجة البلد، فكتب إلى الديوان وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ فكتب إليه بعض الكتاب يقول: يا أمير المؤمنين إن تفاوت هذا عن العام الماضي خمسة و ثلاثون ألفا، فأرسل ينكر عليه و يقول: هذا يترك و إن كان تفاوته ثلاثمائة ألف و خمسين ألفا، (رحمه اللَّه). و أمر للقاضي أن كل من ثبت له حق بطريق شرعي يوصل إليه بلا مراجعة، و أقام في النظر على الأموال الجردة رجلا صالحا و استخلص على القضاء الشيخ العلامة عماد الدين أبا صالح نصر بن عبد الرزاق بن الشيخ عبد القادر الجيلي في يوم الأربعاء ثامن ذي الحجة، فكان من خيار المسلمين و من القضاة العادلين، (رحمهم اللَّه) أجمعين. و لما عرض عليه القضاء لم يقبله إلا بشرط أن يورث ذوى الأرحام، فقال: أعط كل ذي حق حقه و اتّق اللَّه و لا تتق سواه، و كان من عادة أبيه أن يرفع إليه حراس الدروب في كل صباح بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة و الطالحة، فلما ولى الظاهر أمر بتبطيل ذلك كله و قال: أي فائدة في كشف أحوال الناس و هتك أستارهم؟ فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال نحن ندعو اللَّه لهم أن يصلحهم، و أطلق من كان