البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٦ - وفاة الخليفة الناصر لدين اللَّه و خلافة ابنه الظاهر
في الناس ألف ألف دينار، و كان جلال الدين قد بعث جيشا إلى الكرج فكتبوا إليه أن أدركنا قبل أن نهلك عن آخرنا، و بغداد ما تفوت، فسار إليهم و كان من أمره ما ذكرنا.
و فيها كان غلاء شديد بالعراق و الشام بسبب قلة الأمطار و انتشار الجراد، ثم أعقب ذلك فناء كثير بالعراق و الشام أيضا، فمات بسببه خلق كثير في البلدان، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
وفاة الخليفة الناصر لدين اللَّه و خلافة ابنه الظاهر
لما كان يوم الأحد آخر يوم من شهر رمضان المعظم من هذه السنة توفى الخليفة الناصر لدين اللَّه أبو العباس أحمد بن المستضيء بأمر اللَّه، أبى المظفر يوسف بن المقتفى لأمر اللَّه، أبى عبد اللَّه محمد بن المستظهر باللَّه، أبى عبد اللَّه أحمد بن المقتدى بأمر اللَّه، أبى القاسم عبد اللَّه بن الذخيرة محمد بن القائم بأمر اللَّه، أبى جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه، أبى العباس أحمد بن الموفق أبى أحمد بن محمد المتوكل أبى جعفر عبد اللَّه بن القادر باللَّه أبى العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر باللَّه أبى الفضل جعفر بن المعتضد باللَّه أبى العباس أحمد بن الموفق، أبى أحمد بن محمد المتوكل على اللَّه جعفر بن المعتصم باللَّه أبى إسحاق محمد بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن عبد اللَّه أبى جعفر المنصور بن محمد بن على ابن عبد اللَّه بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي العباسي، أمير المؤمنين، ولد ببغداد سنة ثلاث و خمسين و خمسمائة، و بويع له بالخلافة بعد موت أبيه سنة خمس و سبعين [و خمسمائة]، و توفى في هذه السنة و له من العمر تسع و ستون سنة و شهران و عشرون يوما، و كانت مدة خلافته سبعا و أربعين سنة إلا شهرا، و لم يقم أحد من الخلفاء العباسيين قبله في الخلافة هذه المدة الطويلة، و لم تطل مدة أحد من الخلفاء مطلقا أكثر من المستنصر العبيدي، أقام بمصر حاكما ستين سنة، و قد انتظم في نسبه أربعة عشر خليفة، و ولى عهد على ما رأيت، و بقية الخلفاء العباسيين كلهم من أعمامه و بنى عمه.
و كان مرضه قد طال به و جمهوره من عسار البول، مع أنه كان يجلب له الماء من مراحل عن بغداد ليكون أصفى، و شق ذكره مرات بسبب ذلك، و لم يغن عنه هذا الحذر شيئا، و كان الّذي ولى غسله محيي الدين ابن الشيخ أبى الفرج ابن الجوزي، و صلى عليه و دفن في دار الخلافة، ثم نقل إلى الترب من الرصافة في ثانى ذي الحجة من هذه السنة، و كان يوما مشهودا، قال ابن الساعي: أما سيرته فقد تقدمت في الحوادث، و أما ابن الأثير في كامله فإنه قال: و بقي الناصر لدين اللَّه ثلاث سنين عاطلا من الحركة بالكلية، و قد ذهبت إحدى عينيه و الأخرى يبصر بها إبصارا ضعيفا، و آخر الأمر أصابه دوسنطارية عشرين يوما و مات، وزر له عدة وزراء، و قد تقدم ذكرهم، و لم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة، و كان قبيح السيرة في رعيته ظالما لهم، فخرب في أيامه العراق و تفرق أهله في البلاد، و أخذ أموالهم و أملاكهم، و كان يفعل الشيء و ضده، فمن ذلك أنه عمل دورا