أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - القول في الأحكام
هذا وقد يتوهّم أنّ ظاهر بعض الروايات الاكتفاء بإقرار واحد، مثل ما عن الرضا (ع) قال: قال رسول الله (ص): «فإذا قذف الرجل فأكذب نفسه جلد الحدّ»[١].
بناءً على أن تكذيبه لنفسه بمنزلة إقراره بالقذف مرّة واحدة.
وقريب منها روايات اخرى، ولكنّ الإنصاف أنّها أجنبيّة عن المقصود، فإنّ أصل القذف فيها ثابت مسلّم، إنّما الكلام في إقراره بأنّه لم يكن صادقاً في دعواه، وهذا ليس من خصوصيات القذف الموجب للحدّ، لأنّ القاذف لو لم يأت بأربعة شهداء يحدّ، سواء كذّب نفسه أم لا، فلا دلالة في مثل هذه الروايات.
نعم هناك رواية يمكن أن يستدلّ بها على كفاية المرّة الواحدة من جهة إطلاقها في مسألة ثبوت القذف بالإقرار، وهي ما رواه الحلبي في الصحيح ظاهراً عن أبي عبدالله (ع) قال: «إذا أقرّ الرجل على نفسه بحدّ أو فرية، ثمّ جحد جلد»[٢].
ولكن يمكن الإيراد عليها أيضاً نظراً إلى أنّها ليست في مقام بيان ما يثبت به الفرية، بل في مقام بيان عدم الفائدة في الإنكار بعد الإقرار.
هذا ولكن مع جميع ذلك يشكل الحكم بجواز الحدّ في الإقرار مرّة، فإنّ دعوى الإجماعات أو عدم الخلاف المتكرّر مع عدم ظهور المخالف في كلماتهم يكشف عن وصول نصّ إليهم، لأنّ المسألة تعبّدية محضة لا يمكن الفتوى فيها بغير النصّ، لا أقلّ من أن يكون ذلك شبهة دارئة، وإن لم تكن هذه من مصاديق الشبهة فماذا تكون الشبهة، وعدم الاعتناء بدعوى الإجماع والشهرة المحقّقة في
[١]. مستدرك الوسائل ١٠٠: ١٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ القذف، الباب ١٥، الحديث ١.
[٢]. وسائل الشيعة ١٩٨: ٢٨، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ القذف، الباب ١٦، الحديث ١.