مصباح الأصول( مباحث الفاظ- مكتبة الداوري) - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥٦١ - ما يستفاد من الروايات في هذا الباب
و من الواضح أنّ اخباره تعالى بالقضية الاولى ليس كذبا، فانّ المناط في صدق القضية الشرطية و كذبها هو صدق الملازمة بين الجزاء و الشرط و كذبها لا بصدق طرفيها، بل لا يضرّ استحالة وقوع طرفيها في صدقها، فعلمه تعالى بعدم وقوع الطرفين هنا لا يضرّ بصدق اخباره بالملازمة بينهما، و كذا لا محذور في أخبار النبي أو الوصي بموته في هذا الوقت معلّقا بتعلّق المشيئة الالهية به، فانّ جريان البداء فيه لا يوجب كون الخبر الّذي أخبر به المعصوم كاذبا، لفرض أنّ المعصوم لم يخبر بوقوعه على سبيل الحتم و الجزم و من دون تعليق، و انّما أخبر به معلّقا على أن تتعلّق المشيئة الالهية به أو أن لا تتعلّق بخلافه.
و من الواضح أنّ صدق هذا الخبر و كذبه انّما يدوران مدار صدق الملازمة بين هذين الطرفين و كذبهما، لا وقوعهما في الخارج و عدم وقوعهما فيه.
فالنتيجة في نهاية المطاف هي أنّه لا مانع من الالتزام بوقوع البداء في بعض اخبارات المعصومين عليهم السّلام في الامور التكوينية، و لا يلزم منه محذور، لا بالاضافة الى ذاته سبحانه و تعالى، و لا بالاضافة اليهم عليهم السّلام[١].
[١]- و لو أغمضنا عن تلك الروايات و افترضنا أنّه لم تكن في المسألة أيّة رواية من روايات الباب فما هو موقف العقل فيها، الظاهر بل لا ريب في أنّ موقفه هو موقف الروايات الدالة على أنّ قضاء اللّه تعالى على ثلاثة أنواع، و السبب في ذلك أنّ العقل يدرك على السبيل الحتم و الجزم أنّ البشر مهما بلغ من الكمال ذروته كنبيّنا محمد صلّى اللّه عليه و آله يستحيل أن يحيط بجميع ما في علم اللّه سبحانه و تعالى، هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى انّ جريان البداء و وقوعه في الخارج بنفسه دليل على ذلك، حيث انّه يستحيل جريانه في علمه تعالى، لاستلزامه الجهل بالواقع، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
و قد ثبت على ضوء الكتاب و السنة و العقل الفطري أنّ اللّه سبحانه عالم بجميع الكائنات- بشتّى أنواعها و أشكالها، و لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة لا في السماء و لا في الارض، و كذا يستحيل جريانه في القضايا الّتي أخبر بوقوعها ملائكته و رسله على سبيل الحتم و الجزم، فانّ اللّه تعالى يستحيل أن يكذّب نفسه أو ملائكته أو رسله.
و عليه فبطبيعة الحال يجري البداء في القضايا الّتي أخبر بوقوعها لهم معلّقا بتعلّق مشيئته به أو بعدم تعلّقها على خلافه، المعبّر عنه بعالم المحو و الاثبات، و النكتة في وقوعه فيها هو أنّ اللّه تعالى يعلم بعدم الوقوع من جهة علمه بعدم وقوع ما علّق عليه في الخارج بعلمه المكنون و المخزون عنده، لا يحيط به غيره أبدا.
و أمّا من أخبره تعالى بوقوعها على نحو التعليق، فهو حيث لا يعلم بعدم وقوع المعلّق عليه فيه، فلاجل ذلك قد يظهر و يبدو خلاف ما أخبر به، و هذا هو البداء بالمعنى الّذي تقول به الشيعة الامامية، و لا يستلزم كذب ذلك الخبر، لفرض أنّ اخباره عن الوقوع للناس ليس على سبيل الحتم و الجزم، و انّما كان على نحو التعليق، و لا يتّصف مثل هذا الخبر بالكذب الّا في فرض عدم الملازمة بين المعلّق و المعلّق عليه، و المفروض أنّ الملازمة بينهما موجودة.
و بذلك يظهر أنّ حقيقة البداء عند الشيعة هي الابداء و الاظهار، و اطلاق لفظ البداء عليه مبني على التنزيل و بعلاقة المشاكلة، و اسناده اليه تعالى باعتبار أنّ علمه منشأ لوقوعه و جريانه.
الى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، و هي أنّه لا مناص من الالتزام بالبداء بالمعنى الّذي ذكرناه على ضوء الروايات و حكم العقل.