مصباح الأصول( مباحث الفاظ- مكتبة الداوري) - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٥٥ - كون التزاحم بين التكليفين في مرتبة الفعلية لا في مرتبة الجعل
كون التزاحم بين التكليفين في مرتبة الفعليّة لا في مرتبة الجعل:
فاتّضح ممّا ذكرناه أنّ التزاحم بين التكليفين انّما هو في مرتبة الفعليّة لا في مرتبة الجعل، و لذا لا يكون بين الدليلين الدالّين على التكليفين تعارض و تكاذب في باب التزاحم، فانّه من الواضح أنّه لا تكاذب بين ما يدلّ على وجوب الانقاذ و ما يدلّ على حرمة التصرف في مال الغير، لعدم التنافي بين التكليفين المذكورين باعتبار مقام الجعل.
اذ قد تكرّر منّا أنّ الاحكام الشرعية مجعولة على نحو القضايا الحقيقية المحكومة فيها على الموضوعات المقدّر وجودها، و أمّا كون الموضوع متحقّقا أو غير متحقّق فهو خارج عن مفاد الادلّة الدالّة على الاحكام الشرعية.
و بالجملة لا تنافي بين الحكمين باعتبار مقام الجعل في باب التزاحم، بأن يكون جعل أحدهما منافيا لجعل الآخر، بل يمكن التزاحم بينهما مع القطع بجعل كليهما، لانّ التنافي بين التكليفين في باب التزاحم انّما هو في مقام الفعليّة و الامتثال، لعدم قدرة المكلّف على امتثالهما، فلو اختار امتثال أحدهما لاجل الترجيح أو التخيير كان التكليف الآخر منتفيا بانتفاء موضوعه، و هو القدرة.
و لذا لا تزاحم بين الحكمين فيما اذا كان كلاهما أو أحدهما غير الزامي، اذ لا تزاحم بينهما بعد ثبوت الترخيص في المخالفة، فلا يتصوّر التزاحم في المستحبّات، بخلاف التعارض، فانّه يمكن وقوعه فيه ايضا، كما اذا دلّ دليل على استحباب عمل و دلّ دليل آخر على عدم استحبابه، أو دلّ دليل على استحباب عمل و دلّ دليل آخر على استحباب عمل آخر، مع العلم الاجمالي بعدم استحباب أحدهما.