محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧٢ - الخطبة الأولى
والإنسان باختياره في حياته الدنيا القصيرة المتمثلة بسن التكليف بالخصوص، وبشكره أو كفره، وبأخذه بطريق الهدى أو الضلال يكتب مصيره بيده، ويبني نوع مستقبله، ويحدِّد من الجنة أو النّار موقعه.
وللإنسان في حياته هذه امتحانان: امتحان في التعامل مع السَّعة والنعم، وآخر في التعامل مع الضّيق والشدائد والمِحن.
والتعامل الرَّشيد مع نعم الله الغامرة أن تُشكر وتُوظّف في طريق كمال الذات وبنائها البناء الذي يرضاه الله، أمّا مع الشّدائد والصعاب فأنْ تُتخذ عظة وعبرة، ومدرسة يُتعلّم منها القيمة الحقيقية للحياة الدنيا، وكونُها لا تُلبّي الطموح الكبير للإنسان، ولا يصحّ أن يتفرّغ إليها، ويهبها وجوده كلَّه.
وأن تُواجَه بصبر كبير وإرادة عالية، ومواجهة إيجابيّة تجعل منها طريق نمو وقوّة واكتمال.
والتعامل الآخر الخاسر مع النعم بأن يُكفر بها وتُساء الاستفادة منها فتكون للهدم لا للبناء، والإفساد لا للإصلاح، والإضرار بالنفس بِبُعدها عن رضى الله جلّ وعلا ورحمته، ومع الشّدائد والمصائب بالسخط وعدم الصبر عليها ٨، والهزيمة أمامها مما يبعث اليأس والقنوط، والتفكير في وضع نهاية مخزية للحياة.
وحتى لا نخسر أنفسنا، ونفقد الوزن أمام الشدائد والصعاب علينا أن نتعلم حقيقة أن المصائب والشدائد من أجل أن نكسب الوعي والرُّشد والرؤية الموضوعية للحياة، ونعرف أنفسنا ... من أجل أن تكون المحنة باعث قوّة، ومنطلق بناء، من أجل تخريج شخصية،