محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٧ - الخطبة الأولى
والصَّحيح أن ما هُيِّئوا له على مستوى الخلق والتكوين، ووُضِعوا على طريقه حسب الاستعداد الموهوب لهم من الله إنّما هو كمال الذات لنيل الرَّحمة والكرامة، وتبوّء الدرجات الرّفيعة في الجنّة.
وكلّ ما في الأمر أنْ قد أُعطي الإنسان حرية الاختيار بأن يأخذ في حياته بمسار علوِّ الذات أو الانحدار، وأن يستفيد من موهبة الفطرة، ونعمة العقل، والسمع، والبصر، ويُصغي إلى صوت الحقِّ في داخله، ويبنيَ معرفته في ضوء هذه المواهب الجليلة، ويستجيب لها، ويقيم حياته في هُداها، ويُحدِّد خياراته في ضوء رشدها ليكون المهتدي إلى ربّه، المنسجم مع مقتضيات إنسانيّته، السّائر على طريق غايته، المستكمل لذاته، المنتهي إلى تحقيق الهدف الذي خُلِق من أجله، وهو كماله وسعادته، وفي ذلك كلِّه رحمته.
أُعطي الإنسان أن يختار هذا، أو يختار تعطيل فاعلية عقله، وإلغاءَ جدوى سمعه وبصره، وطمسَ نور فطرته ليلتحق بالحيوان في مستواه، أو يخِسَّ عنه بعدما خَسِر ما تميّز به.
أصحاب هذا الخيار خُلِقوا كغيرهم بقلوب فاقهة ٧، وأعين باصرة، وآذان سامعة، مهيّئين للكمال والسعادة، ولكن ما انتهى إليه بهم سوء اختيارهم، وميلُهم عن خطّ الفطرة الإنسانية بإرادتهم، وتعطيل مواهبها أن صاروا لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يُبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها ٨.
عقول معطَّلة، وعيون، وآذان تتلقّى صور الحسّ كما تتلقّى عيون وآذان الحيوان من غير أن تُدرك وراء ما ترى، ووراء ما تسمع.