محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٥٨
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ... ١٦.
إقامة القسط، وتحقيق العدل ضرورةُ دنيا وضرورةُ دين، ولا وجود لهذا الكون إلّا بالعدل، وغيابُ العدل عن بناء الكون وعلاقاته طرفة عين يعني نهايته، والحياة فوضى وبؤس وشقاء وعذاب، وانحطاط في غياب العدل.
وأمر القسط لا يخصّ في ضرورته بعداً من أبعاد الحياة، ولا مساحة من مساحاتها، ولكنّه يعم في ذلك كل مجاليها ومساحاتها.
والسياسة اليوم لا تترك زاوية من زوايا الحياة إلَّا وتتدخل فيها، وتحكم قبضتها عليها.
فإذا غاب القسط عن السياسة، وتنكَرت له، وانفصلت عنه عمّ الظلم والفوضى والبؤس والشقاء كلّ جنبات الحياة.
والمسلم ليس مختاراً من ناحية التشريع الإلهي أن يقف من عدل السياسة وظلمها كيفما أراد، وليس متروكاً له أن يقف من ذلك موقف اللا مبالاة؛ فسواء مسّه ظلم السياسة في نفسه وأهله أو لم يمسسه فعليه أن يتحمّل مسؤوليته في إقامة القسط، وتحقيق العدل، ومواجهة الظلم والفساد.
الرسل والبينات وإنزال الكتاب والميزان؛ كلّ ذلك يستهدف أن يقوم الناس بالقسط، ويُمكّنوا له في كل مستويات الحياة، ويعطوه الهيمنة والحاكمية في كل أبعاد وجودهم.
في مجال السياسة تتحمل الحكومات مسؤولية خاصة في إقامة القسط، وعلى المجتمعات أن تُعينها في ذلك، وأن تقف في وجه أيّ ظلم منها، وتعيدها إلى المسار الصحيح؛ مسار العدل الذي لا ميل فيه.
والأرض اليوم تكاد تمتلئ ظلماً إن لم تمتلئ بالفعل لأنَّ ظلم الدول الكبرى والدول التابعة لها قد دخل في كل مكان.