محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٢ - الخطبة الأولى
وهذا مقطعٌ من سورة عبس يهزُّ مشاعر الإنسان هزّاً، ويُشدِّد عليه النّكيرَ في كفره، ويُظهر له بشاعة جحوده واستكباره وتعنُّته، وهو من ما هو في حاجته وحقارة نشئته ومحدوديته، مع ما يرى من قدرة الله وهيمنته، ونفاذ إرادته، وحسن تقديره، وجميل تدبيره، وإتقان صنعه، وإحاطة علمه، وبالغ حكمته، وعظيم إنعامه وإحسانه وتفضّله.
غريب من الإنسان هذا الكفر. وهو أكبر ما يُمكن أن يأتيَ منه من جهل وغرور وسَفَهٍ وجنون وطغيان واستكبار، وطيش، وسوء موقف واختيار، وتضييع للذّات والمصير، ومعاندة للحقّ، وإنكارٍ للهدى، وإقدامٍ على الهلاك والبؤس والشّقاء ١.
يقول الكتاب الكريم: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ، كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ٢.
يتصدَّر المقطعَ دُعاءٌ على الإنسان يظهر غضب الخالق العظيم، ويأتي تعبيراً عنه لقبح ما يكون عليه الإنسان من الكفر بربّه الذي لا مُسوِّغ على الإطلاق للكفر به، ولا شيء من خفاءٍ في ظهوره، ولا شيءَ إلّا ويشهد بألوهيته وربوبيته.
ويُثير تعبير الآية الأولى التعجُّب مما عليه شدّة كفر الإنسان وفظاعته وهو يجحد خالقه ورازقه ومدبّره الذي لا وجود، ولا حياة له لحظةً إلا به، ولا يستطيع أن يخرج من حكمه وقَدَرِه.
أو أنَّ التعبير كما يفهم بعضهم يُثير سؤالًا استنكارياً في وجه الإنسان عمَّا يجعله يكفر بالله الحقّ الذي لا أجلى منه، ولا ظهور لشيء إلا من ظهوره ٣.