محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧ - الخطبة الأولى
وما على الإنسان في البداية هو أن لا يُهمِل رصيد مواهب الهدى الإلهي في عقله وروحه وقلبه، وأن لا يُضادّ خطّها عن عمد واختيار، وأن يُحسن التعامل معها، والاستفادة منها.
وبهذا يأتيه جزاء إلاهي ثرٌّ كريم من هدايات إضافية متدفّقة لا تتركه لإضلال الشّيطان، ووسوسة الصدور، وإغواء أهل الضلال، ولا تتخلّى عنه في حيرة، ولا تُسلمه لانحراف، ولا تنقطع عن إنقاذه، ولا تغيب عن انتشاله في أيّ نقطة من نقاط الطريق، وتمدّه بالنّور والبصيرة التي يحتاج، وتُوسِّع من أُفُق رؤيته، وتُحِدّ من بصر قلبه وسريرته، وتُعمِّق من نظرته، وتُضيء داخله، وترفع في الخير والصّلاح مستوى إرادته وهمّته.
وكلّما قدّر العبد نعمة الهدى من الله إليه، وجدّ في السير إلى ربّه على ضوء قديمها وجديدها زاد هدى وتوفيقاً منه سبحانه، ولطف به، وقرّبه إليه، وأمَّده بعطاياه ومواهبه.
ولا يُخاف على من تولّى الله هداه أن يضلّ، ولا يدخل على عبد أراد الله هدايته ضلال، ولا تشوب هدى الله شائبة. ولا مصدر للهدى ولا أيّ خير من دون الله، ولا شيء من الهدى بالحقّ في كلِّ ما يُدَّعى له ذلك مما خالف دين الله، وانتحل منهجاً غير منهجه، واتّجه بالعقل والنفس والقلب والرّوح إلى من سواه. فالأمر كما قال سبحانه: مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ....
والله الذي يهدي منّاً وكرماً وتفضّلًا ابتداءاً واستمراراً، قد يُضل جزاءاً وفاقاً.
ويكفي في إضلال الله سبحانه لمن استحقَّ ببالغ تفريطه في هدايات الله له، وبيّناته عنده، وحُججه الواضحة عليه، ودلائله السّاطعة الواصلة إليه أن يُخلّيَه لنفسه، ولمن اختار أن يتابعَه في ضلاله، ويستجيب له في غوايته، مُعرِضاً عن هدى ربه، كافراً بنعمته عليه.