محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٣ - الخطبة الأولى
فما يولِّد إرادة التغيير أن نُحسَّ بنقصنا، وأن يضايقنا هذا النقص، ويسبِّب لنا المشاكل، ولا نجدَ ما يُسعفنا معه للخروج من الألم ودفع الأخطار، والإحساس بالأمن والقيمة إلّا بأن نتحرك في اتجاه تغيير أنفسنا قبل كلّ شيء آخر، وتحسين مستوانا وقدرتنا بالفعل.
ومن هنا يأتي الدور الإيجابي للمشاكل والأمراض والحوادث الطبيعية والأزمات الاقتصادية والتحدِّيات المختلفة في تحفيز الإنسان لتجاوز مستواه الفكري والروحي والنفسي والإرادي الفعلي بكلّ ما أُوتي من استعداد من أجل مقاومة التحدّيات وهزيمتها، وتحقيق المستوى الذي يُوفّر له القدرة على معايشتها والتغلّب على ما تُسبّبه من آلام ومتاعب وصعاب.
في ظلِّ الظروف الناعمة، والأجواء التَّرفية الحريرية، وسُكْر اللذة لا يتجمّد الإنسان عند مستواه الذي تحقّق له من الإنسانية والقوّة فحسب، وإنما يصير إلى ترهّل، وضعف، وتخلّف، وتآكل، وانحدار في كل مسارات إنسانيته من فكر، وروح، وإرادة، وفعل، وردّ فعل، ويكونُ المهزومَ في داخله، المسحوق أمام أيّ ظروف من ظروف الشدّة التي لا تفتأ تُواجه الأفراد والمجتمعات في ساحة الحياة.
إنَّ حياة الشّدائد إذا تعامل معها المجتمع التعامل الرشيد وعلى ضوء المنهج الإلهي القويم تلهمُه، وتثير مكنون طاقاته، وتصقل رؤيته، وتستنهض إرادته، وتُصلِّب مقاومته، وتُطلق قوة تفكيره، وتضعه على خطّ الإبداع والابتكار والتجديد، وتبني جميع أبعاده.
ولو ظلّ الفكر البشري بلا تحديات، والإرادة البشرية بلا مواجهات، والنفسية البشرية بلا صدامات لما وجد شيءٌ من ذلك طريقَه إلى النموِّ والقوّة والاشتداد.