محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٠٢ - الخطبة الأولى
هناك حزن يهدم النفس، يهدِم الصِّحة، يُهير القوى، يُفقِد الاتّزان، يُعطِّل الحركة النافعة، يقعد بصاحبه عن الكمال. مثاله الحزن على ما فات من أمر الدّنيا، وما امتنع أن تنالَه النفس من أمنياتها، ويعجز أن يصل إليه الإنسان بأي جهد مما يبذل.
وحزنٌ آخر يبني النفس، يستنهض العزم، يدفع للحركة المثمرة، يضع صاحبه على طريق الكمال. ذلك هو الحزن على النفس أنْ بَعُدَت عن الله، أنْ أغضبته، أنْ قلَّ حظّها من الكمال حين خفّ طمعها، وجِدّها على طريق طاعة ربِّها وعبادته.
إنَّ طريق العودة إلى الله مفتوح، والعودةُ الجادَّة إليه مقبولة، ومن صَدَقَ توجّهه لله سبحانه أعانه على نفسه، وأبدله قوَّة عن ضعفه، وبارك جهده، ومن تقرَّب إليه ذراعاً تقرّب إليه سبحانه باعاً، وأمدّه بعزم الطاعة والتقرّب، والتوفيق، ولم يُسْلِمه ليأس ولا قنوط.
ومن شاقه أن ينال رضى الله، وعَظُم أمر الآخرة في نفسه لم تُعِقْه العوائق عن طلبه، ووجد المُعين له على نفسه، وعلى غيره من ربّه، ولم يرجع بالخيبة عما رجا، وبالفشل عمّا أمَّل.
ومن كَبُرت منه رغبته في الدُّنيا، وكانت أمنيته الكبرى لم يُشبعه ما جنى منها، ولم يُقنعه ما اجتمع بيده من متاعها، وبقيت نفسه تلحّ على طلب ما لا يمكن لها، وما تَحول الموانع بينها وبينه؛ فكان ما صار إليه من دنياه كأنْ لم يصر، وما اجتمع لم يجتمع، وأحسّ بالفقر رَغم غناه، وبالفاقة رَغم سعته، وقَتَله الحسدُ لنعمة غيره حتّى ممن هو أقل منه نصيباً من الدنيا، وودّ أنْ لو انتزع من فيه لقمته ليُضيفها إلى ما عنده، وأحاطت به الهموم لأنَّ الدنيا لم تجتمع كلُّها بيده، ولم تكن بكلِّ مقاليدها في تصرُّفه.
وإذا كان الشّوق إلى الله سبحانه والاستكمال على طريقه يزيد من الشوق إليه، والتطلّع الأكبر إلى التقرُّب منه؛ فإنَّ في كلّ شوق إلى الله بناءً للنفس، وفي كلّ استكمال رِفعةً لها يُنقذانها من الضّعف والحسد والحسرات والحزن المُحطِّم، ويرفعان عنها عوائق الاستكمال المضاف الجديد.