محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٩ - الخطبة الأولى
ويبقى السؤال الأساس هل أنا حرّ مطلقاً أو في شيء من أمري تكويناً؟ هل أنا مملوك مطلقاً أو في شيء من أمري لغير الله سبحانه؟ قبل ذلك هل جئت من ظلمة العدم بلا موجِد؟
أعلم أنّي لم أخلق نفسي، ولم أُوجدها من العدم إلى الوجود. لا أشكُّ في ذلك أدنى شك.
لا أحد غير الله عزّ وجلّ أتى عنه أنّه خلقني أو خلق أيّ شيء آخر.
وكل من عدا الله إذا كان محتاجاً في وجوده إلى غيره، فلا يمكن أن يكون هو المرجع الأول في وجود أي شيء آخر.
وما يجعلني محتاجاً في وجودي لموجد يشترك فيه معي كلّ من عدا الله سبحانه، وما عداه من شيء.
وما هو الأمر الذي يجعل كلَّ الأشياء عدا الله سبحانه محتاجة في وجودها إلى موجد؟ ٣ ذلك هو كونها ليست غنية بالوجود في ذاتها، وإنما هي فقيرة بالذات، وبلحاظها في ذاتها ٤.
ولولا الغنيُّ بالوجود بذاته، غيرُ المفتقر في وجوده لغيره لأنه حقُّ الوجود وخالص الوجود لما وُجِد شيء على الإطلاق من كلّ الأشياء المحتاجة في وجودها إلى من يُعطيها الوجود، ويُخرجها من عدمها.
وحتّى نقول بأن شيئا ما قد خرج من عدمه بقوّة من عدمه، أو من غير علّة على الإطلاق فلا بد لنا أن نتخلَّى عن عقولنا التي لا يقبل شيء منها هذا الهراء والزيف.
ولابد أن تتعطَّل الحركة العلميَّة، ويُلغى العلم، وتنقلب موازين الحياة، وتسقط أكبر ضابطة للفكر البشري في مساحة السياسة والاجتماع والاقتصاد والصناعة والزراعة وكلّ المساحات بالتخلّي عن قانون العليّة والمعلولية الصارم الذي يُمثّل قاعدة صلبة، ومنطلقاً واضحاً للفكر البشري.