محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٣ - الخطبة الثانية
لقد بذل الناس الكثير، وأعطوا أثماناً غالية من أجل الإصلاح الذي يُمثِّل حلًا واضحاً كافياً، فلم يعطوا كلّ ذلك من أجل الحوارات المستغفِلة، ولقتل الوقت، ولا من أجل تحسين وضع لقمة العيش- على أهميته- وإطلاق سراح السجناء- على ضرورته- فحسب ١٧؛ وإلا لما عرّض الناس أنفسهم للسجن ابتداءً، ولشحّوا بها على ضيق معاناتهم من أول الأمر. ولم يعطوا كل ما أعطوا من أجل إصلاح شكلي سطحي يبقي عمق المشكلة والمأساة على ما هو عليه، تأسيساً لجولات أخرى من المتاعب والخسائر والآلام ١٨.
أعطَوا ويُعطون من أجل أن يروا أنفسهم في وطنهم أحراراً، يشاركون بغير منٍّ في رسم مستقبل بلدهم، ومسار سياسته، ويتمتعون بخيراته في قِسمة عادلة لا ضيزى، ويقتسمون المواقع الإيجابية فيه على حدٍّ سواء لا تمييز بينهم إلَّا على أساس الأمانة والكفاءة. وكلُّ ذلك يحتاج إلى دستور صالح رشيد جديد.
وإذا كان العنف والانتهاك الصارخ لحرمة الحرائر بالصورة الفظّة المخزية لزرع روح الرُّعب في نفوس الرجال والنساء فقد كفاكم ما جربتم من القسوة البالغة ضد أبناء الشعب ١٩ مما لم يثلم في عزيمتهم، وإنما كان دائماً يزيدهم إصراراً على المضي إلى الأمام.
وإذا كان هذا الاستفزاز من أجل أن يخرج الشعب عن سلميّته لتجدوا مبرِّراً لتصفياتٍ داميةٍ واسعةٍ لأبنائه وبناته؛ فإنَّ الشّعب باقٍ على التمسُّك بخطه السلمي إيماناً منه بوجاهة هذا الخط، وحرصاً منه على مكتسبات الوطن، وإبقاءً منه على ما يُعيد لأبناء هذا الوطن اللُّحمة القوية المتينة بينهم، ولا يسمح بزيادة الشّروخ، وبعثرة المجتمع المسلم، وتمزقه إلى شراذم ٢٠.
والأسلوب السلمي هو الأقرب لأخلاقيّة هذا الشعب وطبيعة تحرُّكه الذي لا يستهدف خراباً ولا فساداً، وإنّما كلّ هدفه الإصلاح ٢١.