محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٧ - الخطبة الأولى
إنصاف النفس والإنصاف منها:
على المرء وهو يحرص على إنصاف النَّاس، وتوفيتهم حقّهم، أن يُنصف نفسه، ويُوفِّيها حقّها بأن يُكرمها ولا يهينها، ويسموَ بها ويُجلّها عمَّا يشينها، ويهبط بمستواها؛ فيطلب لها العُلا لأنها أهلٌ لذلك ١، وينأى بها عن الدّنايا التي أراد الله سبحانه لها التنزّه عنها وكرّهها لعباده.
وهذا معنى إنصاف النفس الذي تتحدَّث عنه الكلمة عن أمير المؤمنين علي عليه السلام حيث تقول:" غايَةُ الإنْصافِ أنْ يُنْصِفَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ" ٢.
وهذا المعنى من إنصاف النفس هو قِمّة الإنصاف، وضمانته، وأقصى ما يُستهدف منه، ويقصد به إليه؛ حيث يتجاوز بها عن الميل إلى الظلم، والجور في الحكم، والأخذ بغير الحقّ، وبخس أيّ شيء وزنه، وأيّ أحد مقامه.
وكلّ ما أُريد للإنسان من فعل الخير، وهجران الشرِّ، وإنصاف النّاس، وإقامة القِسط إنَّما هو لنزاهة نفسه وسموّها أولًا وقبل كلّ شيء، ومن أجل أن تُحلِّق بعيداً في الكمال ٣.
وما أشدّ التلاقي بين إنصاف النفس بالمعنى المتقدّم والإنصاف منها بإلزامها بالإذعان لحقِّ الغير، وحملها على الوفاء به وهو ما تشير إليه الكلمة عن الإمام علي عليه السلام:" إنَّ أفضلَ الإيمانِ إنْصافُ الرَّجُلِ مِنْ نَفْسهِ" ٤، مع كلمته السابقة.
وحتى يكون الإنصاف من النفس خلقاً جليلًا، ويأخذ قيمة عالية لابد أن يأتي اختياراً، لا تحت ضغط، ولا بتأثير حكم حاكم، وإلّا كان الضرورة التي يفرضها الخارج، وليس الخلق الكريم النابع من الذات. وسموّ النفس وقوّتها إنما هو في الثاني وليس في الأول.
ونقرأ هنا لعليٍّ عليه السلام كذلك:" أنْصَفُ النّاسِ مَنْ أنْصَفَ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ حاكِم عَلَيْهِ" ٥.