محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥٨ - الخطبة الأولى
ويدخل في الإنصاف من النفس، وعدم مجاراتها فيما يشتهي لها الهوى، وتدعو إليه غريزة الاستكبار أن يقبل الحقَّ إذا بان له، ويغيّر الرأي والموقف إذا ظهر له خطؤه، ويُذعن لما كان يُقاوِم ويُقارع من حجة إذا انكشف له صوابها. فهو بهذا يكون قد أنصف نفسه بالترفُّع بها عن العصبيَّة العمياء القاتلة، وأنصف منها الحقَّ باتباعه.
المؤمن والإنصاف:
الإنصاف في النفس المؤمنة واجبٌ لابد منه، وخُلُق لا تَخَلِّي عنه على الإطلاق، فسواء أنصفه الآخرون أو غمطوا حقّه فهو لا يتخلّى عن واجبه في إنصافهم حتّى من نفسه في ما يكون لهم من حق، ولا يحمله ظلم الآخرين على نسيان واجبه، والتخلُّف عن أداء ما يثبت لهم من حق، ولا يميل به ظُلْمُ أحدٍ له عن إقامة القسط فيما بين ظالمه وغيره.
ذلك لأنه عبد الشرع، وذو خلق نبيل كريم، ولا مَعدِل له من شيء عن مرجعية الدِّين، وكلُّ نظره إلى ما يقرّبه إلى الله، ويجنّبه سخطه.
وتقول الكلمة عن علي عليه السلام بهذا الشأن:" المُؤْمِنُ يُنْصِفُ مَنْ لا يُنْصِفُهُ" ٦.
وعنه عليه السلام:" أعْدَلُ النّاسِ مَنْ أنْصَفَ مَنْ ظَلَمَهُ" ٧.
والعدالة لا تكون إلّا مع الإيمان، والإيمان الحقّ يستلزم الاتصاف بالعدالة. ولابد أن يكون الإيمان عالياً حتى تكون عدالة النفس عالية.
ومن كان في أعلى درجات الإيمان كان في أعلى درجات العدالة، وسَهُل عليه أن ينصف من ظلمه بعد أن ملك نفسه، وغاب الهوى عنها أمام سلطان عقله، وخوف ربّه.
ومن النّاس من لا يُقدّر الحق، ولا يُقيم للإنصاف وزناً ولا قيمة، وأمره قائم على الجور، فإن كان الحق له انتصف لنفسه من النّاس لا تقديراً للإنصاف وإيماناً به، ولكن من منطلق الأنا، وحبّ الذات، والبُعد عن التسامح. وإن كان الحقّ عليه تنكّر له، ولم يعرف من الإنصاف شيئاً، ولم يمرّ له على ذاكرة.