محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٠١ - الخطبة الأولى
دون الله تراه محدوداً، لا يملكُ التصرُّفَ الحرّ، والإرادة النافذة بلا قيدٍ على الإطلاق.
وإذا كان كذلك فمهما كانت الثِّقةُ بالنّفس، ومهما كان لها من قُدرة، وعزم، وصبر وتحمّل ومقاومة واستئساد، وحَنَكَةٍ وحكمة، وحُسْن تصرّف وتدبير فإنّ ذلك له حدّ يقف عنده، ونهايةٌ تُنهيه؛ فالاعتماد على النفس وهذا شأنها لا يُمكّن أن يوفّر اطمئناناً كاملًا، وسكينة مستقرة على مستوى الشعور، ولا يضمن الحماية، وبلوغ الأمنية، وتحقيق الغاية في الخارج.
وإذا كان كلّ شيء من خارج النفس من خَلْق الله سبحانه يشاركها المحدودية، ويقف به حدُّه عن الإطلاق في القدرة والعلم، وسائر صفات الكمال لم يكن الاعتماد عليه، والرّكون إليه، والدّعم والتأييد منه كافياً للحماية التامّة، والكفاية الشّاملة.
أمّا لو اعتمدت النفسُ على الكامل سبحانه وقدرته المطلقة، وعلمِه الذي لا تَناهي له، وحياته التي ليس لها حدّ، ومُلكه الذي ليس له نهاية، وإرادتِه التي لا مانع لها، ورحمتِه الواسعة الشّاملة، وفوَّضت أمرها إليه، وصيَّرت التصرُّف فيها لإرادته من غير اقتراح عليه، ولا خيار لها قِبال خياره، واطمأنَّت لقبوله هذا التفويض كانت في مأمنٍ من كُلّ شرّ، وحِرزٍ من كلّ سوء، ولم يَفُتْها خير، ولم ينقُصْها نفع، ولم يمسسْها تخلّفٌ عن الغاية، ولم تقصُر عن السعادة. ذلك لأنّه لا تُحدّ قدرته، ولا يتناهى علمه، ولا معطّل لإرادته، ولا خلف في وعده، ولا ضيق في رحمته، ولا اتّهام لرأفته ورحمته.