محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٧ - الخطبة الثانية
صار مستحيلًا في وعي الأمّة، وشعورها، وتصميمها أن تكونَ عودةٌ للأمسِ الظالم، وصار لابدّ أن تُغلَقَ كلّ أبوابِ العودةِ إليه، بل لا بدّ أن يكونَ غدُ الأمّةِ أفضلَ دائماً من يومها الذي تعيشه، والحالِ الذي تكون عليه.
ثمّ لو كانت الأنظمة الحَاكمةُ في البلاد العربيّة على حكمةٍ بالقَدْر المطلوب ومُقدّرةً ولو لمصلحتها لوجَدت في دروسِ العام ٢٠١١ م ما يكفي لإقناعها بضرورة الإصلاحٍ حتّى قبل تحرّك من لم يتحرّك بعدُ من شعوبها؛ لأنّ رياحَ التغيير لا توقُّفَ لها، وليس في وُسْعِ الوعود وآلة الإعلام الكاذب أن تطيل كثيراً من عُمر التخدير للرأي العام، وأن تُشِلّ إرادة النّاس، وتُعطِّل فهمهم.
ولا يمكن لأسلوب البطشِ، وإرهاب الدولةِ بعد هذه القفزةِ الهائِلةِ في الوعي والشعور والإرادة عند الشعب العربيّ أن يَقهَرَ إنسانَ هذا الشعب، ويُحدِثُ له الاستسلام.
كلّ ذلك لا يملك اليومَ أن يصرف عن المطالبة بالحقوق، أو يثبتَ أمام هيبةِ هذا الشعبِ وثورته.
ليس حقيقاً بالحكم، والحكمُ ليسَ محلًا لمن لم يتعلّم من الحكّام العرب من دروس العام المُنصرم، ولم يفهم أن عليه أن يستجيبَ للتغيير، بل عليه المبادرةَ إلى ذلك، وأنه ليسّ بإمكانه أن يُوقِفَ عجلة الإصلاح، ويعطّل حركة التغيير. لأنّه كي يستطيعَ ذلك لابدّ عليه أن يَرجِع بإنسان الأمّة وعياً، وتطلّعا، وثقةً بالنفس، واعتزازاً بالذّات، وجرأةً وإرادة، وتشبّثاً بالحريّة إلى مسافاتٍ بعيدةٍ تستحيلُ العودةُ إليها.
ودروس العام المُنقضي تُقدِّم خطاباً للحكومات، وخِطابا للشعوب.
خطابُها للحكومات: بأنّه لا مجالَ للفِّ والدورانِ، والمغالطةِ والتمييع لمَطلب الإصلاحِ والتغيير، وأنّ كلّ الوسائل التي تملكها الأنظمة في التحايُلِ، والتضليل، والقمعِ عاجزةٌ عن مواجهة إرادة الشعوب.