محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢١ - الخطبة الثانية
والإسلام قد خاض تجربة الحكم قديماً وحديثا، ولم تحقق أي أطروحة أخرى ما حققه من نجاح حينما خاض هذه التجربة برؤيته وعقيدته الدينية والسياسية الصادقة، وشريعته وقيمه وأخلاقيته الحقيقية.
وكذلك قد خاص الإسلام تجربة الحكم مظلوماً على يد التزوير والأطماع الرخيصة، ممن لا يؤمن به حق الإيمان، وإنما اتخذه مطيّةً لأطماعه وهو عابدٌ للدنيا ولأكثر من مرة في القديم والحديث فسجّل ذلك تشويهاً للإسلام، وتحريفاً لأحكامه وقيمه، وإسقاطا لوزنه، وانقلاباً في الرأي العام في أوساط المسلمين عليه، وبحثاً عن بديلٍ سيءٍ له ١٥.
واحتيج في تصحيح رأي الناس في إسلامهم بعد ذلك إلى جهود مضنية، وتوعية صبورة، وثورات قاسية، ودماء غزيرة ١٦.
ويبقى امتحان الإسلاميين في التجربة الجديدة لو تأتّى للأمة أن تعطيهم خيارها، وتضع يدها في يدهم، وتحمّلهم أمانة الحكم وهي أمانة ثقيلة لا يتحمّلها إلا أمناء كبار، وقادة أوفياء، وعقول راجحة، وهمم عالية، ونفوس متحررة من شهواتها، متأبّية على الأهداف الرخيصة، وذمم طاهرة، وأيد نظيفة، وفهم إسلامي ناضج، وقلوب لا تغفل عن ذكر الله ولا يصرفها عنه لهو ولا تجارة ١٧.
فهل يكون الإسلاميون في هذه التجربة الجديدة بوزن هذه الأمانة الكبرى بمقدار لا يسيء للإسلام، ولا يظلمه ظلماً أشد من ظلم أعدائه؟
هل يقربون في فهمهم من فهمه، وفي طهر نفوسهم ونياتهم من طهره، وفي حكمتهم من حكمته، وفي إنسانيتهم من إنسانيته، وفي عقلانيتهم من عقلانيته؟