محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٩ - الخطبة الأولى
والشاكر لله إنَّما يشكر لنفسه، وما نَفْعُ شكره إلّا لها، وفيه تهذيبها وتربيتها، وبالشكر تزداد النعم، وتُدفع النقم، ويُنال الثواب، وتُكسب الجنّة، وما لله من شكر العبد نفعٌ على الإطلاق، وليس له به من حاجة، فهو الغنيّ بذاته، وكلّ خلقه مفتقر إليه.
يقول سبحانه: ... وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ٥.
وإذا تمّ الشكر على حقيقته من العبد، وعاشه قلباً، ولساناً، وعملًا، فرأى اللهَ سبحانه عند كل نعمة من نعمه عنده، وآمن بإحسانه، ولم يُشرك بالله أحداً في الإنعام، وحمِد الله على ما أنعم عليه، ووضع كل نعمة من نعمه حيث رضاه استحقّ عنده سبحانه منزلة رفيعة ومكاناً عليّاً يصل إلى حدّ الاجتباء وأن يكون العبد مخلَصاً له سبحانه.
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَ هَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ٦.
وما قلّ الشاكرون لله في الناس إلَّا لأنَّ الشّكر الدائم خُلُق عظيم قلَّ من يرقى إليه لما يعنيه من بصيرة نافذة، ووعي قائم، وذكر دائم، وروح صافية، ونفس عالية، وفهم توحيدي، وشعور ثابت من الذّات بذلّ عبوديتها في قبال عزّ الربوبية لله تبارك وتعالى ٧.
اللهم صل وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من كفران نعمك، ومن أن نُسيء استعمالها، ونضعها في معصيتك، أو نضنّ بها على دينك، ونعين بها أعداءك. اجعلنا ربّنا ذاكرين شاكرين حامدين برحمتك يا أرحم الراحمين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ