محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥١٠ - الخطبة الثانية
لقد أخطأ كل من كان في نظره أن يُقابل الحضور الجماهيري الواسع النموذجي في التاسع من مارس بالعدوانية أو الاستخفاف والإهمال.
لم يكن ذلك الحضور المتميّز المتنوّع المكثّف عدوانيّاً لِيُقابَل بروح من العدوانية، ولم يكن هازلًا ليقابل بالهزل، ولم يكن بكمّه، وكيفه، وتنوّعه قابلًا للإنكار والإهمال ليُهمل، وليست قضيته قضية عابرة لِتُنسى، أو سطحية يمكن تجاوزها.
إنها قضية شعب مصيرية أعطاها من دمه وماله ونصبه وتعبه وعذاباته، وسجن أبنائه وبناته وأمنه وجهده وجهاده، وقيامه من أجلها ثابت، وحركته على طريقها لا قابلية فيها للتوقُّف.
قضيتكم، مسيرتكم، منطقكم لا يصحّ أن يُقابَل أبداً بالتبجُّح على القدرة على الفتك والقتل وتحكيم السيف في الرقاب، وتوجيه الرصاص والقذائف للصدور والرؤوس ٢٥.
وليس فخراً أن يتبجح جيش بلد بقدرته على سفك دم أبنائه وحصدهم في ساعة أو ساعات. إنَّ هذا التبجح لهو العيب نفسه وأشد وأقبح العيب في بابه.
كما تستطيع الجيوش أن تقتل الأبرياء المسالمين من أهل الحق، تستطيع ذلك الوحوش، وكما يمكن لجيش أن يصفّي شعباً بناه لحماية الوطن من أعداء الشعب والوطن يمكن للحشرات وللميكروبات أن تفعل ذلك ٢٦.
فأين مكان الفخر في هذا العدوان؟!
الفخر لجيشٍ يحمي العدل والحق والدين الحرية والكرامة، ولشعب يقبل الموت في سبيل ذلك، وإنْ غُلِبَ على أمره، وتأخّر نصره، وضحّى بالكثير ٢٧.
لقد قرّر الشعب بأن يواجه منطق القوة المادية الباطشة وكلّ هذا التبجّح بكل صبر ورباطة جأش وبسالة، وروح تضحوية منفتحة لا غروراً ولا طيشاً وإنما هو إيمان بالحق والعدل واستجابة للدين في الاعتزاز بالحرية والكرامة.