محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٩ - الخطبة الأولى
لصرف الوقت ثلاثة أوجه: في الفراغ، أو في ما يضرّ، أو في ما ينفع؛ ودليل العقل هو الأخير من بين الثلاثة، ولا يكفي تجنّب ما يضرّ، وإن زاد قُبْح ما يضرّ على ما لا ينفع.
ولا يتمّ عقل العاقل حتى ينفق كلَّ نفس من أنفاسه في ما فيه نفعه. وما النفع الحقّ إلّا في ما كان للآخرة، أو ما يُعين على طلبها، وكلُّ ما عدا ذلك ضياع.
وخروجُ نَفَسٍ واحد في غير ما ينفع يعني جَرْحَاً في عقلية العاقل ٢، فأيننا من هذه الدقّة، وهذا الالتفات؟!
عن الإمام الكاظم عليه السلام:" إنَّ العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب، وترك الدنيا من الفضل، وترك الذنوب من الفرض" ٣.
هناك حاجات دنيوية لا بد منها، وهناك توسع فيه راحة نفس بلا مشغلة، ولا تبذّخ، وفيه عون على طاعة الله، وهناك توسُّع خارج عن هذا الحدِّ وإن لم يبلغ حدّ السّرف، ولم يدخل في الحرمة.
وهذا الأخير لا يمكن أن يأخذ به ذوو العقول الراجحة، وذوو الألباب، وإنما يقتصرون على ما كان في نفعهم من أمر يحتاجونه، أو أمر يُعينهم على الكمال، ويقرّبهم إلى الله سبحانه وتعالى.
ومن ترك فضول الدنيا، والزيادة فيها استعلاءً، وطلباً لما هو أعلى فهو أنزه وأسمى من أن ينزل بِقَدْره إلى مستوى الذنب، وأن تستهويه المعصية ٤.
وفي المقابل تقول الكلمة عن الإمام علي عليه السلام:" إذا قلّت العقول كثر الفضول" ٥ الفضول من القول، والفضول من طلب الدُّنيا، والممارسة للذائذها، وكل ما لا يؤدّي إلى نفع، أو كان خارجاً عن هدف إنسانية الإنسان، وتكميل ذاته ٦.