محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٠ - الخطبة الأولى
" قدم المدينة رجل نَصْراني من أهل نجران كان فيه بيان ٧، وله وقار وهيبة، فقيل: يا رسول الله ما أعقل هذا النَّصْراني؟! ٨ فزجر القائل، وقال: مه. إنّ العاقل من وحَّد الله، وعَمِل بطاعته" ٩.
" قيل للصادق عليه السلام: ما العقل؟ قال: ما عُبِد به الرحمن، واكتُسب به الجنان.
قال: قلت: فالّذي كان في معاوية؟ ١٠ فقال: تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل، وليست بالعقل" ١١.
إذا كان العقل قوّةً تعقِل عن الخطأ ١٢، وتحبس عما فيه الخسارة، وتُنقذ من الضلال كان كل مظهر من مظاهر الذكاء، وحدّة الفهم، والقدرة على التحايل، وتخريج المواقف، والتبرير للقضايا، وتحليل الأحداث في غياب التّوحيد لله عزّ وجلّ، والعمل بطاعته ليس عقلًا وإنما هو شيء آخر.
وقد سمّى الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام ما عليه معاوية من دهاء سياسي، وقدرة على شراء المواقف، وخلخلة صفوف الأمّة نكراء- وهي المنكر- وشيطنة.
وجاء عن حكيم الأمّة بعد رسولها العظيم صلَّى الله عليه وآله وهو أمير المؤمنين:" ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، و لكن العاقل من يعرف خير الشرّين" ١٣.
معرفة الخير من الشر عقل، والحديث لا يريد إنكار ذلك، و لكن الأدقّ في معرفة عقل العاقل أن يُميّز بين الشرّين فيقدِّمَ أخفهما، وبين الخيرين فيقدِّم أشدّهما.
وهناك ثلاثة مواطن يُمتحن فيها العقل لِيُرى مدى قوّته، وحضوره، وفاعليته، وفيها تحدٍّ كبيرٌ له، وكثيراً ما تُظهِر هذه المواطن خلاف ما عليه الظنُّ بعقل من يمرُّ بها، إذ تكشف عن سقوطه أمام ضراوتها، ولذلك كان في نجاح العقل فيها برهان قوته التي تجعله الحاكم للموقف فيها، غير مغلوب لما هي عليه من قوّة في التحدّي.