محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٨ - الخطبة الثانية
لغتان تتصارعان:
لغة حكومات لشعوبها أن تموت هذه الشعوب أو تنحني، أن تموت جسداً أو تموت فكراً، وإرادةً، وإنسانية، وتتنازل عن حريتها، أن تقبل الهوان، والذل، والفقر، والجهل، والمرض، وتخسر دينها.
وذراع هذه اللغة ما بَنَتْهُ ثروات الأوطان التي هي ملك الشعوب من قوة عساكر، ومؤسسات استخباراتية، وسجون، وقوى تسلُّحية، وصحافة موالية، وقنوات إعلامية تحت التصرُّف، وإمكانات هائلة، ومرتزقة، وكل ما يُستعان به لقهر الآخر وإذلاله.
أما اللغة الأخرى فهي لغة شعوبٍ أفاقت من غفوة طالت، ونفضت عنها غبار المسكنة، وتخلّصت من عقدة الخوف، وكسرت طوق رُعبها.
ولسان هذه اللغة يعلو مجلجلًا: الموت لا الانحناء ... الحرية وإلّا فالمنيّة ... الموت أولى من الذّلّ والعار. وأُخذت كلمة الإمام الحسين عليه السلام التي انطلقت من روحه الأبيّة، وقَطَعَت مسافة القرون المتوالية لتملئ الساحة الثورية العربية والإسلامية الواسعة الملتهبة كلها، وتنطلق مدوّية على ألسن الملايين نصّاً أو معنى لتملئ مسمع الدنيا كلها بشعار هيهات منا الذلة. ٢٢
هذه اللغة سلاحها الإيمان بقيمة الإنسان وكرامته، وأن الله عز وجل يأبى للمؤمن أن يُذلّ نفسه، وأن يطئطئ لإرادة العبيد المخالفة لإرادة ربِّه، وأن يُسلّم للعبودية لغير خالقه، وسلاحها الصبر على مواجهة الموت، وبذل الرّوح في سبيل الله، وما أَذِن الله عز وجل أن يُبذل الدَّمُ من أجله.