محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٥ - الخطبة الأولى
يضاف إلى ذلك أن الظن ميزان للعقل؛ فما عليه الظنّ من دقّة، ومقاربة للصواب، وعقلانية في المناشئ، وسرعة تحقّق أو بطء، وتناسب منه وبين قوّة السبب مبرز لمستوى العقل، وصحّة التفكير، والتحرّر من الخيال والوهم، وغلبة العواطف.
وإذا كان الظن سيئاً أو حسناً مسرعاً إلى النفس، واجداً سبيله إليها لأتفه الأسباب، ولا يكاد يكون للعقل دور في محاكمته، واستجابة النفس إليه كان ذلك علامة على خِفّة وزن العقل، وضحالة التفكير، وتحكّم الوهم والهوى.
وفي هذا تأتي هذه الكلمات عن الإمام علي عليه السلام:
" ظَنُّ الإنْسانِ ميزانُ عَقْلِهِ ..." ١.
" ظَنُّ الرَّجُلِ عَلى قَدْرِ عَقْلِهِ" ٢.
" ظَنُّ ذَوِي النُّهى وَ الألْبابِ أقْرَبُ شَيْء مِنَ الصَّوابِ" ٣.
ففرق بين ظنّ من عقل راجح، وعقل خفيف، وتجربة طويلة، تجربة لم يمر عليها زمن، وإن الظن ليأخذ قيمته من مستوى الفهم، ودقّة التفكير، وعمق البصيرة.
ويعتمد صدق الظن في جانب آخر على صفاء الرّوح، وطهر السريرة، ونقاء القلب، فإذا اجتمع عقل وإيمان جاء الظن وكأنه عن مشاهدة.
فعن أمير المؤمنين عليه السلام:" اتّقوا ظنون المؤمنين؛ فإن الله تعالى جعل الحقّ على ألسنتهم" ٤.
المؤمن الذي له عقل- والإيمان الحقُّ يكون معه دائماً عقل- عقله يقي من تضليل الخيال والوهم، وإيمانه يدرأ من كيد ووسوسة النفس، وبذلك يأخذ الظن طريق صوابه.