محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٨ - الخطبة الأولى
الحيوانات، وبشهوة عارمة للإفساد في الأرض، والاستيلاء على أرزاق الناس، وسلب حرّيتهم وأمنهم وكرامتهم ٥.
ولننعطف بالحديث نحو بعض النصوص بشأن العواقب والآلام التي تلازم هذه الحياة.
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى ٦ نفهم أنّ كلّ شيء بحسب ذاته وطبيعته في نفسه له خاصيّته، وتميّزه من حيث ما يطيقه من سعة وجود، واستقبال فيض، وموقع في الخلق. فالأشياء المتباينةُ المتمايزة في ذواتها مختلفة بحسب هذا التباين في القدرة على ما تتسع له من استقبال عطاء الوجود.
والله عزّ وجل بفيضه وجوده مُشبعٌ كلّ شيء ما يطيقه ذلك الشيء من الوجود، ولا ينقصه شيئاً، ولا يبخسه وزناً، ولا يحرمه من عطاء.
ومراتبُ الأشياء، ودرجاتها الوجودية، وحظوظها المختلفة من نعمة الوجود مردُّها إلى ما هي عليه من سعة أو ضيق في إناء ذاتها للاستفادة من عطاء الوجود. فإذا كان نقص فهو نقص ذاتيٌّ في المُعطَى لا ينفك عن ذاته، وليس نقصاً في الرّفد والعطاء.
وكلُّ الممكنات محدودة وإن تفاوتت محدوديتها، ولا يمكن لها الخروجُ من المحدودية للاطلاق، وإلّا لما كانت ممكنة.
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ... ٧ أحسنه سبحانه بأن واءم بين أجزاء كل شيء خَلَقَه، وجعل التكامل في وظائف تلك الأجزاء، وأودع في ما خلق كلّ ما يبلغ به إلى غايته المطلوبة، ويصل به إلى كماله. فلا شُحّ، ولا نقص في العطاء، ولا خلل في الصُّنع.