محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٨ - الخطبة الأولى
وما وزن كلِّ تلك النجاحات إذا كانت الغاية التي تُنهي إليها ناراً محرقة، وعذاباً مقيماً، وشقاء دائماً ١.
فأين الهدى من بعد ذلك، وأين الضلال؟ ٢. من هو الضال، ومن هو المهتدي؟
الهدى أن يعرف العبدُ نفسه عبداً، وإنساناً كريماً، وموجوداً ذا غاية بعيدة كريمة، ويعرف ربّه ربّاً لا تناهي لعظمته، ولا حدَّ لكماله، وأنّ غايته رضى ربّه، وربح آخرته، والفوز الأبدي بالجنّة التي أعدّها الله لأوليائه، فهي الغاية التي تضعه على طريق كماله، وتستحثُّ خطاه للسموِّ بوجوده، والارتفاع بقيمة ذاته، وتُعطي لدنياه قيمة عالية، ولكلّ نجاحاته فيها النجاح الحقيقي الممتدّ، وتعوِّضه عن كلّ إخفاقاته التي لم تكن من عمده، والمحن التي جرت عليه، وعانى منها ما عانى، وذاق من مرِّها ما ذاق.
والضلال أن يجهل العبد ربّه وينساه، ويتنكّر لحقّه، ويتجرّأ على معصيته، ويستكبر ويطغى، ويبطش ظالماً، ويعتدي آثماً، ويحبس نظره على لذّات البدن، وشهوات الدنيا في عمى عن الآخرة، وما فيها من نعيم دائم، وعذاب مقيم، ولا يكون له هم من علمه، وكل سعيه في الحياة ومنجزاته ومكتسباته إلّا همَّ الحيوان من الظهور بمظهر القوّة العضلية، والبروز الماديّ، وشهوة البطن والفرج، والانغماس في الغرور.
فالكفر ضلال رافقه انتصار أو هزيمة، حياة باذخة أو ضيقِ معاش، ظهور اجتماعي أو ضمور؛ ذلك لأنه ينقطع بصاحبه عن غاية الحياة، وينأى به عن خطّ هدفها، وينتهي به إلى الشقاء.