محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٧ - الخطبة الأولى
من يوم أجله، ودنّواً من قبره، وعليه أن ينتزع نفسه بقوّة من الانشداد للدنيا، وأن يكون أمضى إرادة، وأقوى حزما في التهيؤ للآخرة، حتى لا يستبقي جهدا من نفسه إلا وبذله في هذا السبيل.
يا ابن العشرين دع لهوك، ودّع لعبك، جدّ جدّك، واجهَد جَهْدك؛ فإنّك قد قطعت شوطاً على طريق الآخرة، ولا تدري متى يأتي الأجل، والموت لا يستثني عمراً من الأعمار، ولم تُعط الضمان من مالك أمرك أن تبقى إلى مزيد.
عشرون سنة خطوتان من عمر محدود، إذا امتدّ به المدى إلى عشر خطوات بهذا الحساب فهو كثير. ونادراً ما يزيد.
وكلما أعقبت الأربعين سنة خطوة قلّت لذائذ هذه الحياة، وكثرت عللها، هذا إن لم تبكِّر العلل، وتستبق المنغّصات.
ويا ابن الثلاثين كفى غروراً وكان عليك أن تتخلص من غرور الدنيا قبل هذا الأوان، وينبغي أن تدقّ أجراس الآخرة في أذنك قبل أن يباغتك مقضيّ الأجل، واليوم المحتوم. لو لملمت أوراقك، لو شددت أمتعتك لكان في هذا الحزم، وكان في هذا العقل، وكان في هذا التدبير الصحيح ٥.
ويا ابن الأربعين كن الشديد على نفسك، الموبّخ لها، الغليظ عليها، المحاسب لها بدقّة واستقصاء.