محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٥ - الخطبة الأولى
فالدنيا بما هي عليه مما تقدّم لا تحتاج إلى من يذكّرنا بها، وإنما هي بحضورها القوي، وضغطها الدائم، ومشاهدها المكثّفة تذكّرنا بنفسها، ولا تسمح لنا أن ننساها.
والآخرة بما هي عليه من عالم غيبي هي التي تحتاج إلى التذكير. على أن الآخرة بما هي المصير، وحياة الأبد، لا خسارة أكبر من نسيان الله سبحانه ونسيانها. ومن فاته ذكرها، فاته ذكر نفسه، وكان سعيه في حياته لنهاية الشقاء.
لذلك ركّز الدين بما لا مزيد عليه على قضية الآخرة، والموت، والبعث، والنشور، والحساب، والجزاء بالثواب والعقاب.
والتذكير بالآخرة ليس للانصراف عن الدنيا وخيرها، وإنما هو لإصلاحها، وإصلاح أهلها، ومن أجل أن تؤدي وظيفتها في إعداد الإنسان، وتأهيله بتكميله لحياة الآخرة.
وليس من أحد أكبر تعلّقاً بالآخرة من رسول الله صلّى الله عليه وآله ثمّ ليس من أحد صلُحت به الدّنيا وعمُرت وكثُر خيرها على يده كما كان منه صلّى الله عليه وآله. وليس من أحد أكبر تعلّقاً بالآخرة من رسول الله صلّى الله عليه وآله ثمّ ليس من أحد صلُحت به الدّنيا وعمُرت وكثُر خيرها على يده كما كان منه صلّى الله عليه وآله.
وما انفصل ذكر الدّنيا عن ذكر الآخرة إلا أفسدها، وخاصم بين أهلها، وساءت به أيَّ سوء عظيم شامل، واستلبت من الإنسان غايته، وانتهت به إلى شرّ شقاء، وآلم عذاب.
وفي التذكير بالآخرة نستحضر هذه النصوص الكريمة:
وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ ١.
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ... ٢.