محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٨ - الخطبة الأولى
ما أكثر ما نُحب أن نتعرف عليه من الأشياء والأمور من حولنا، ونلمّ به علماً عن الغير، ونستقصيَه من أحداث كبيرة أو صغيرة ذات شأن وغير ذات شأن، مما ينبغي أن ينال الاهتمام بدرجة ما، أو أن يُهمل.
وكان على الإنسان كلّ إنسان أن يكون أشدَّ ما يكون عليه اهتمامه هو معرفته بنفسه، وعلاقته بربّه المبتنية على معرفة عظمته لما في ذلك من المعرفة الأساس لما ينبغي أن تكون عليه حياته، وتعامله مع ذاته، ومع كلِّ شيء غيره.
أنا في نفسي، وفي علاقتي التكوينية مع ربّي الله؛ إمَّا حرٌّ مطلق، وإما عبد مطلق، ولا يجتمعان.
وصِدْقُ أحد الفرضين يُنتج صورة من التعامل مع الحياة والنّاس والأشياء مغايرة جدّاً لما يُنتجه صِدْقُ الأخرى.
وكما يفترقان في ذلك يفترقان في تحقيق أو عدم تحقيق ما أُريد من كلِّ ما تحدّثني به نفسي ١.
وعلى مستوى النّظرة السَّطحية، والنظر المخدوع يتراءى لي كذباً في المساحة التي خُيِّرت فيها بقدر من الله سبحانه أني أملك الاستقلال في التصرُّف، وأني أتمتع بالحرية التاّمة غير المحكومة على الإطلاق.
والصحيح في شأن هذه الحرية أمران:
الأول: أنها حرية معطاةٌ من عند الله، مقيّدة بإرادته باقية ما شاء، منتهية لو شاء، ولا يملك منها العبدُ بقاء ولا زوالًا من نفسه ٢.
الثاني: أنَّ من عرف مملوكيته لله عزَّ وجلَّ خَلْقاً ابتداءً واستمراراً كان عليه ألا يخرج بإرادته عن إرادة مالكه وسيِّده شرعاً.